ذكرى استشهاد الإمام الهادي - الجزء الثاني
هذه هي رحمة ووفاء ونخوة آل بيت النبي (سلام الله عليهم)، رحماء حتى على أعدائهم إذا طُلب منهم الرحمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد للَّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.
قال الإمام الهادي (عليه السلام):
«إِنَّ خَيْرَ العِبَادِ مَنْ يَجْتَمِعُ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: إِذَا أَحْسَنَ اسْتَبْشَرَ، وَإِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا ظَلَمَ غَفَرَ.» - أعيان الشيعة، ج ١، ص ٦٦٨
بكل أحزان، نقدَم تعازيننا للمؤمنين والمؤمنات في هذا اليوم وهو ذكرى استشهاد ابن رسول الله، الإمام النقي النجيب أبا الحسن الثالث علي بن محمد الهادي (عليه السلام).
لُقّب بـ"الهادي" لأنه كان عَلَماً لهداية الناس نحو الخير والفضيلة والتقوى، أما لقبه "النقي"، فقد كان معصوماً كآبائه الطاهرين ومنزّهاً عن كل عيب وذنب، ونقياً من كل دنس، فلُقب بالنقي. وأما النجيب: فقد كان الكريم الحسيب، فلُقّب بالنجيب.
تولى الهادي (عليه السلام) الإمامة وهو في الثامنة من عمره، تمامًا مثل أبيه الإمام محمد الجواد (عليه السلام) الذي استُشهد وعمره خمسة وعشرون عامًا، وهذا يجعله من أصغر الأئمة المعصومين من حيث العمر الذي تولى به الإمامة وعمره عند الاستشهاد. وكانت مدة إمامة الإمام الهادي (عليه السلام) أربعة وثلاثين عامًا، واستُشهد وهو في سن الثانية والأربعين.
في هذه الأربعة والثلاثين عامًا من الإمامة، كسائر الأئمة، لم تكن سهلة أبدًا، واجه الإمام الهادي (عليه السلام) العديد من الاضطهادات والمضايقات والمراقبة من الدولة العباسية (لعنة الله عليها)، وعاصر الإمام وعانى من الخلفاء العباسيين الذين هم: المعتصم، المتوكل، والمعتز، ألا لعنة الله عليهم.
فقد عانى الإمام الهادي (عليه السلام) من كلا هؤلاء (لعنة الله عليهم) من المضايقات والاعتقالات والمراقبة وكان من أبرزها هما السجن والإقامة الجبرية في سامراء من قبل المعتصم (لعنة الله عليه) في صغر سنه - وحتى ابن الإمام، الحسن العسكري (عليه السلام) أقاموا عليه إقامة جبرية في نفس المدينة. استشهدا الاثنان في سامراء تحت الإقامة الجبرية، ودُفنا الاثنان في مكان واحد.
هناك ما يميّز إمامنا الهادي (عليه السلام) عندما ننظر إلى التفاصيل من الأحداث والمعاناة التي جرت عليه من قبل الدولة العباسية (لعنة الله عليهم)، فنجد أن هناك أحداثًا ولحظات بارزة ودروسًا قيمة، فعلًا وحقيقة ميّزت الإمام الهادي (عليه السلام).
نذر أم المتوكل مع الإمام الهادي (عليه السلام)
نخوة الإمام ودناءة المتوكل.. رد الإحسان بالغدر
{هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ} - صدق الله العلي العظيم - الرحمن ٦٠
كسائر الأئمة سلام الله عليهم، لم يُستثنَ الإمام الهادي (عليه السلام) من الغدر والخيانة والظلم والمراقبة والاتهامات الباطلة..
في إمامة علي الهادي (عليه السلام) المتوكل (لعنة الله عليه) كان هو الخليفة، والمتوكل مرض مرضا شديدا عجز الأطباء في ذلك الزمن عن علاجه، وكان المتوكل مصاب بداء يُسمى بالـ"خُراج"، وهو ما يخرج في البدن من القروح..
كان مرضه شديدًا ووصل إلى مرحلة اليأس، بحيث لم يتمكن الأطباء من علاجه ووصل إلى مرحلة قريبة من الموت. حينها، أم المتوكل، شجاع الخوارزمية، وكانت جارية إحدى الأمراء العباسية، والجميع يعلم كيف يكون قلب الأم حينما ترى ابنها يعاني، وهي فطرة كل أم مهما كان عمر ابنها ومكانته، حتى لو كان حاكمًا، فتكون رؤوفة ومهتمة بابنها..
أم المتوكل يئست على ابنها ولم تجد حلًّا في ذلك الوقت، إلا أن تلتفت وتتوجه إلى الإمام الهادي (عليه السلام)، وهو الذي ابنها المتوكل يحسبه عدواً له. نذرت أم المتوكل لله بأنها إذا تشافى المتوكل ستعطي سُرةً من الذهب للإمام الهادي (عليه السلام)… أم الخليفة، أم المتوكل، أم الحاكم للدولة العباسية، لم تلجأ للأطباء وتنذر عليهم، بل لجأت للإمام الهادي (عليه السلام) وتوسّلت به. هذا لأن الحق يُرى ويُدرك بوضوح حين الموت والشدة؛ يلجأ الإنسان غالبًا بالفطرة نحو الحق، أي يلجأ لله حين الشدة… ولكن القلب هو الذي يكون دنيئًا ويرفض ويعاند ويحقد.
ألا يعلم الإمام الهادي (عليه السلام) بخبث المتوكل وحقده على أهل البيت (عليهم السلام)؟ بلى! ولكن ها هم أهل البيت (عليهم السلام)، حينما يُطلب منهم، لا يردون.. هم أهل النخوة والكرم والرحمة والرأفة.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
«لا تخن من ائتمنك وإن خانك، ولا تذع سره وإن أذاع سرك.» - بحار الأنوار، ج ٧٧ ، ص ٢٠٨
وفي حديث آخر يقول الإمام:
«أدوا الأمانة ولو إلى قتلة أولاد الأنبياء (عليهم السلام).» - بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ١٤٩
الله أكبر.. هذه هي رحمة ووفاء ونخوة آل بيت النبي (سلام الله عليهم)، رحماء حتى على أعدائهم إذا طُلب منهم الرحمة، ولا يخالفون الوعد ولا يردون من يتوسَل بهم ومن يطلب منهم حتى من أعدائهم الذين ظلموهم… أين نرى مثل هذا؟
في ذلك الزمن، كان هناك طبيب اسمه يزداد الطبيب، وكان نصرانيًا، لكنه أسلم على يد الإمام الهادي (عليه السلام). قال يزداد: «إن كان مخلوق يعلم الغيب فهو! [مشيرًا إلى الإمام الهادي عليه السلام]»
الله أكبر! نجد هنا من كان نصرانيًا فقد اتّعظ واهتدى بعد أن رأى فضيلة الإمام الهادي (عليه السلام) الذي جده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
ألا وأن يومًا من الأيام، من إحدى الأعمال العدائية ضد الإمام ومن ضمن المراقبة الشديدة عليه، فتّشت السلطات العباسية بيت الإمام الهادي (عليه السلام) بأوامر المتوكل، ووجدوا سُرةً من الذهب عليها ختم أم المتوكل. فأتوا بها للمتوكل، قال لأمه أن هذه السُرة من الذهب عليها ختمها - سألها.. فقالت له عندما كان مريضا ولم يتمكن أحد من علاجه، هي نذرت لله وتوسّلت بالإمام الهادي (عليه السلام)، وإذا تشافى فستعطي الإمام هذا المبلغ..!
قال الله تعالى:
{وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} صدق الله العلي العظيم - الأنعام ٣٧
هذه من إحدى المعجزات للإمام الهادي (عليه السلام)، وأيضًا من فضائله وكرمه ورحمته. لم يمتنع من إظهار الرحمة حينما طُلب منه وتوسَل به، حتى ولو كان لإنسان ظالم فاسد وغير مؤمن وغاصب حقه! فما بالكم بالتوسل به من قبل المؤمنين بالولاية، من قبل شيعته؟ هذا الإمام الكريم لا يردّ من يتوسل به - ولكل أم في همّ وغمّ، عليك بالتوسل بالإمام الهادي (عليه السلام).
ما أجمل الكرم والرحمة وما أقبح الغدر ونكران الجميل والفضل…
ونرجع مرة أخرى لهذه النقطة العجيبة… نرى أن النصراني أسلم بعد أن رأى فضائل الإمام الهادي (عليه السلام) ومعجزته حينما عجز الأطباء… بينما المتوكل لم يتب إلى الله واستمر بالنصب والعداء والظلم لمن أمه توسَلت به لشفاءه ورغم أنه رأى الموت بعينه… كلاهما رأى نفس النور الهادي والمعجزة - بل إحداهما رآها مباشرة ومرَ بها بنفسه وبينما الآخر لا… ولكن إحداهما احتضن الإسلام وأتَبع آل بيت النبي أما الآخر فلا… فما هو السر والسبب؟ وهل أتَعض المتوكل بعد ذلك؟
الإمام الهادي النور الهادي
الذي يبصر الحق ليس بمن يستبصره
{أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} - صدق الله العلي العظيم - المنافقون ٦
في إحدى الرسائل من المتوكل للإمام الهادي (عليه السلام) يتبين فيها نقطتين مهمتين:
الأولى: المتوكل يعرف ويقر بمكانة الإمام الهادي (عليه السلام) - لم يكن المتوكل جاهل بل كان عارف الإمام وعارف من هو جده وهو الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله).
والثانية: أن المتوكل كان يبصر الحق ولا يستبصره - يعرف الحق ولكنه منافق ومُصر ومُعاند للحق.. باغض لأهل البيت - أمام الناس وعاما وظهورا يبين أنه مع الإمام من خلال الكلمات الرسمية المُلمعة المُزينة ولكنها كلها مُزيفة… اليوم هذا ما يُسمى بالـ"ديلبوماسية"
"إنّ أمير المؤمنين [المتوكل] عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقك، مؤثر في الاُمور فيك وفي أهل بيتك لما فيه صلاح حالك وحالهم، وتثبيت عزك وعزهم، وادخال الأمر عليك وعليهم، يبتغي بذلك رضى الله واداء ما افترضه عليه فيك وفيهم.
ثمّ ختمه بقوله: وأمير المؤمنين مشتاقإاليك، ويحب احداث العهد بقربك والتيمن بالنظر إلى ميمون طلعتك المباركة."
الإمام الهادي (عليه السلام) كان يتعرض للكثير من الاتهامات الباطلة، كان مظلومًا وتحت مراقبة مستمرة من الدولة العباسية.
ذات يوم، ذهبت مجموعة من الناس إلى الحاكم، المتوكل، وقالوا له: علي بن محمد [في إشارة إلى الإمام الهادي عليه السلام] يجمع أسلحة في بيته ويتلقى الكثير من الرسائل من أتباعه وملاحظات، هذا الشخص مستعد لشن ثورة ضدك.
كانت كلها أكاذيب، أكاذيب متعمدة لتكثيف الكراهية والقيود على الإمام الهادي (عليه السلام)، وزيادة الاضطهاد ضده.
والمتوكل، كان بحاجة إلى ذريعة، دائمًا يريد شيئًا يبرر به أفعاله ضد الإمام الهادي (عليه السلام)... هو لا يحب الإمام الهادي (عليه السلام) ورأى في ذلك فرصة.
أمر المتوكل مجموعة من الجنود بالذهاب واعتقال الإمام، وكان الأمر هو اقتحام البيت واعتقال الإمام كما هو دون منحه أي فرصة أو وقت، بهدف إذلال الإمام.
حلَت الليلة، فأُرسل الجنود، اقتحموا البيت ووجدوا الإمام، لكن الجنود تفاجؤوا، الإمام لم يكن لديه شيء، لم تكن هناك أسلحة أو رسائل، لا شيء مما زُعم وشاع، كان الإمام جالسًا وموجهًا نحو القبلة في عبادته، وكان يرتدي ملابس بسيطة ومتواضعة جدًا.. وحتى لم يكن في البيت سجادة بل رمل وحصى. فلم يجد المسؤولون شيئًا، ولكن اعتقلوا الإمام وأخذوه إلى المتوكل.
أحضروا الإمام الهادي (عليه السلام) إلى المتوكل في مجلسه وقالوا له إنهم لم يجدوا شيئًا بما أدَعى البعض من الأسلحة وغيره. حينها، كان المتوكل جالسًا في مجلسه يشرب الخمر هو ومن كان معه.
فمن باب قصد إذلال الإمام وتحقيق إحراجه، قال له: تعال واجلس يا ابن العم.
جلس الإمام، لكن لا يوجد أي عذر لاعتقاله، فاضطر المتوكل لاختراع شيء لإذلال الإمام.. عرض على الإمام المعصوم، التقي النقي، الذي جده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كأس خمر... وقال له: اشرب يا ابن العم...
فقال الإمام الهادي (عليه السلام): والله ما خامر لحمي ودمي فاعفني منه.
فبدأ المتوكل يفكر مرة أخرى كيف يمكنه إذلال الإمام، فطلب من الإمام أن يقرأ شعرًا حتى يسرّه ويتسلى.
كان المتوكل يتوقع أن يسمع أشعار مدح وخطب فارغة لا معنى لها… للتسلية. فكان رد الإمام: "أنا قليل الرواية للشعر."
أصر المتوكل وقال: يجب أن تفعل. لقد أعفيناك من الأول لكننا لن نعفيك من الثاني.
رأى الإمام الهادي (عليه السلام) في ذلك فرصة، حيث أصر المتوكل على قراءة الشعر، فأنشد الإمام قصيدة تذكّر المتوكل بالموت، والآخرة، والقبر، ومصير الطغاة وما يصيبهم على أعمالهم وظلمهم.
بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ *** غُلْبُ الرِّجَالِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمُ الْقُلَلُ
وَ اسْتَنْزَلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ مَعَاقِلِهِمْ *** وَ اسْكِنُوا حُفَراً يَا بِئْسَمَا نَزَلُوا
نَادَاهُمْ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ دَفْنِهِمْ *** أَيْنَ الْأَسَاوِرُ وَ التِّيجَانُ وَ الْحُلَلُ
أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنْعِمَةً *** مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَ الْكِلَلُ
فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلَهُمْ *** تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ تَقْتَتِلُ
قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْراً وَ قَدْ شَرِبُوا *** وَ أَصْبَحُوا الْيَوْمَ بَعْدَ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا
المتوكل، رغم طغيانه وقسوة قلبه وفساده وظلمه وبغضه للإمام وآل بيت النبي، تأثر وتحركت مشاعره، وبكى حتى بللت دموع عينيه لحيته، وبكى أيضاً الحاضرون.
أي شخص يتوقع أن تصل رسالة مثل هذه في مكان مليء بالإثم واللهو - في مجلس خمور؟ من يتوقع أن تصل رسالة للّجوء إلى الله تعالى للتوبة له والتذكير عن عذاب القبر؟
الإنسان - وأيا كان، لا بد أن يمر بلحظة أو حتى لحظات في حياته مثل أزمة صحية، مادية، أسرية وإلى آخره.. تكون اللحظة نقطة إدراك لحقيقة ما - نقطة تحول وتغير مسار الإنسان.. مثلا عند المرض وتدهور حال الصحة، نرى حتى الشخص الذي يكون بعيد عن الدين أو حتى الفاسد أو الذي لا يؤمن - كافر، يكون له لجوء إلى الله سبحانه وتعالى، لجوء للخالق وطلب الرحمة منه وإذا كانت النية صادقة - فلا بد أن تكون تلك اللحظة لحظة تغير، أي لحظة تغيير مسار.. وكذلك من الأزمات التي من الممكن الإنسان أن يمر بها مثل تدهور الحالة المادية وتراكم المسؤوليات والصعوبات والمشاكل التي قد تُحاصر الإنسان ولا يجد منها مخرج ويكون عاجزا لإيجاد حل. أو أحيانا ليس بشرط من عن طريق إحدى المصائب بل قد تكون بطرق مختلفة وتصل الرسالة. ولكن مجرد المرور بتلك الأوقات والمحن، ليست بشرط أن تنتهي لتغيير المسار والتوبة واللجوء إلى الله، فسرعان ما قد تنتهي المصيبة ويرجع الإنسان لعادته القديمة إما فورا أو تدريجيا، يعاند، يتغافل وينسى، ولا يعرف الله إلا عند حدوث مشكلة جديدة.
فالإنسان يكون على علم، على بينة، يتبين له الحق - الواقع ولكنه يرفض، لأن الأمر يتطلب قلب سليم.
قال الله تعالى:
{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} صدق الله العلي العظيم - الحج ٤٦
وفي آية أخرى:
{قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ} صدق الله العلي العظيم - الحجرات ١٤
وأحيانا الإنسان يكون مؤمنا ويتَبع دينه، حينما يُرزق، ينسى دينه ويفقد إيمانه.
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت في أصل شجرة تقلبها الريح ظهر البطن.» - كنز العمال ١٢٠
يزداد الطبيب الذي كان نصرانيا وأسلم على يد الإمام الهادي (عليه السلام)، رأى من الإمام الهداية والحق، رأى فضائل الإمام… وأيضا المتوكل (لعنة الله عليه) أيضا رأى ما رآه يزداد وغيره، ولكن إحداهما تقبَل واحتضن الحق والآخر أصر وعاند ورفض. بل المتوكل وصلته الرسالة أكثر من مرة، مرة في مجلسه المليء بالخمور وأتت له رسالة تذكره بالدين والرجوع إلى الله وأيضا معجزة الشفاء، وهو مر في حالة صعبة جدا…
يزداد الطبيب الذي كان نصرانيا، تقبَل الحق، بينما المتوكل الذي يزعم الإسلام أساسا، رفض وتكبر.
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} صدق الله العلي العظيم - المائدة ٨٢
بينما النصراني، يُعتبر أبعد من الإسلام والولاية والناصبي الذي يدَعي الإسلام الرافض والناكر للولاية يُفترض بحسب ما يزعم يكون أقرب - كونه له رب واحد مع المؤمنين ونبي واحد وقرآن واحد كما يزعم ويكرر الناصبي…
الذي يبصر الحق ليس بمن يستبصره. فالرسالة تصل للجميع والعين تبصر، لكن فقط القلب السليم يستبصر الحق، ومن يريد الحق يعتنقه أين ما كان ومن أيا كان سواء كان من حاكما أم لا، فالحق ليس بشرط أن يكون متوّجًا بالذهب والمكانة المادية العالية - ومن له إيمان لا يحتاج للمعجزات حتى يؤمن، لأنه سيكون له يقين وقلبه له قابلية للحق، يكون مستبصر الحق - وليس عنيدًا حينما يتبين الحق ولو أنه تبيَن من قبل شخص يبغضه. فالحق يضل هو الحق.
قال الإمام الهادي (عليه السلام):
«إِنَّ خَيْرَ العِبَادِ مَنْ يَجْتَمِعُ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: إِذَا أَحْسَنَ اسْتَبْشَرَ، وَإِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا ظَلَمَ غَفَرَ.» - أعيان الشيعة، ج ١، ص ٦٦٨
الله يبيّن الحق للكثير - من خلال عدة مواقف وعدة ظروف يُذكر بها العباد للعودة له - وحتى لغير المؤمنين، فقد يبيّن الله لهم الحق ونور الهداية وأحيانًا من المعجزات وفك الهم والغم، لكن القليل من يهتدي ويقبل بالحق ويضل عليه... ليس دائمًا الجهل، أحيانًا الكِبر والعناد.
رغم كل هذه المواقف والمعجزات والفضائل والعلوم والحكم والأخلاق والرأفة والرحمة من الإمام الهادي (عليه السلام) ورأوا الحق بأعينهم… إلا وأن تآمروا عليه العباسيين لاغتيال الإمام وتسميمه.
قال ابن شهر آشوب عن الإمام الهادي (عليه السلام): كان أطيب الناس مهجة، وأصدقهم لهجة، وأملحهم من قريب، وأكملهم من بعيد، إذا صمت علته هيبة الوقار، وإذا تكلم سماه البهاء.
رغم كل ذلك إلا وأن عاندوا ورفضوا، في قلوبهم مرض، حبا للدنيا والسلطة ومن كبرياءهم وبغضهم لآل بيت النبي..
تآمر على الإمام المعتز (لعنة الله عليه) وسمَم إمامنا بن رسول الله الهادي (سلام الله عليه)…. ومات مسموما شهيدا مغدورا…
ابن الإمام، الحسن العسكري (عليه السلام) عندما استشهد والده الإمام الهادي (عليه السلام) وأُقيمت جنازته وحُمل جسده الطاهر، ما فعله حسن العسكري (عليه السلام) كان شيئًا مفجعًا للقلوب.. بعض ما قام به لم يقم به أي من الأئمة السابقين عند استشهاد أبيهم، بعضهم قام بمناسبات العزاء، بعضهم ظهر بلا عمامة، وبعضهم سار حافي القدمين، لكن ما فعله الإمام العسكري (عليه السلام) كان كل ذلك مع ظهوره بثوب ممزق حدادًا على والده مواسيا على ما تحمله أبيه وما جرى عليه من الظلم.
وا إمامه… يا غريب سامرَه… رحت وعفتنه بالمُرّه
سمموک يالهادي… صاح الحسن بويه تگطَع فادي
إنا لله وإنا إليه راجعون…. عظَم الله أجرك يا مولاي يا صاحب الأمر والزمان
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا صالح أعمالنا ويجعلنا من أنصار القائم.. رحم الله من قرأ الفاتحة لأرواح الشهداء والمؤمنين والمؤمنات، والدعاء لجميع المرضى والجرحى والمستعصيين وإفراج غم المهمومين. ولا تنسونا من خالص دعائكم لعلَكم أقرب إلى الله منزلة، مع الصلوات على محمد وآل محمد.
الأربعاء، ٣ رجب ١٤٤٧ هـ - ٢٤ كانون الأول ٢٠٢٥ م
— رايدرو (عباس)، قائد نيو وورلد اوردر ٣١٣


