ذكرى استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) | الجزء الثاني
رب الكفر والنفاق والغدر هو الأخذ والاكتفاء بالقرآن الصامت وترك القرآن الناطق
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد للَّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.
ببالغ الحزن، نقدم تعازينا لإمام زماننا صاحب العصر والزمان، الحجة بن الحسن المهدي (عجل الله تعالى فرجه) والمؤمنين والمؤمنات في الذكرى الأليمة - الفاجعة لاستشهاد مولانا أمير المؤمنين، آية الله العظمى الإمام علي (عليه السلام)، اليوم الذي هُدِمت فيه أركان الهدى، اليوم الذي قُتلت فيه الصلاة في محرابها، اليوم الذي فُرِّقنا فيه عن أمين الرسول وزوج البتول، الأورَع الْمُبين، أوَلُ العابدين، أبو المؤمنين.
تتزامن ذكرى استشهاد سيدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) في ليالي القدر في هذا الشهر الفضيل، الليالي التي أُنزلت فيها القرآن وتنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، مما يجعلها أعظم الليالي والأوقات في هذا الشهر المبارك.
في هذه الليالي، يتجدد فيها انشقاق القمر وتسترد الجروح والنزيف، وتُعاش الأحزان والآلام وكأن هذه المصيبة حدثت اليوم. فقد عانى مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) الكثير من الغدر والخيانات في حياته إلى استشهاده - والغدر والخيانات التي تعرض لها إمامنا ليست فقط عند الضربة وهو في المحراب بل هو أبعد من ذلك وإلى اليوم يُغدر بالإمام (صلوات الله عليه)…
القرآن بلا إمام طريقٌ للكفر والضلال
رب الكفر والنفاق والغدر هو الأخذ والاكتفاء بالقرآن الصامت وترك القرآن الناطق..
بداية الكفر والضلال…
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} - صدق الله العلي العظيم - البقرة ٣٤
عندما أمر الله تعالى بالسجود لآدم، سجدت الملائكة إلا إبليس. إبليس الذي كان يعبد الله ستة آلاف سنة.. ولكن في لحظة واحدة، تغير مساره ومصيره، وكأن تلك الستة آلاف سنة من العبادة لم تكن.
إبليس لم يقل بأنه لا يريد أن يعبد الله وكفر ودار وجهه تلك اللحظة، إبليس أبى واستكبر على أمر الله العلي الكبير. وقال كيف أن يسجد لآدم الذي هو من الطين وإبليس من النار؟ فأراد أن يستبدل أمر الله وفقا لهواه، أراد أن يعبد الله بدلا من ذلك عبادة ما عبد الله أحد قط مثلها. فإبليس أراد أن يعبد الله لكن من دون أن يخضع لأمره ويطيعه.
أمر الله تلك اللحظة هو اختبار، واعلم أن الله لم يأمر بعبادة آدم، وإنما السجود لآدم، لكي يكون هناك خضوعا لأمر الله، والسجود لآدم، يعني الخضوع لأمر الله والسجدة لآدم كانت واسطة - وسيلة لإثبات ذلك الخضوع لله وأمره، والخضوع لله وأمره كان بواسطة السجدة لآدم. وأما العبادة التي أراد أن يختارها إبليس لنفسه عوضا عن السجود لآدم، وإن كان ظاهرها عبادة ولنقل مليون سجدة لله، فإنها ستزال ضلال وطغيان وكفر - لأن الله هو الذي يضع التكليف وكيفية العبادة وليس العباد.
السجدة لآدم حينها كانت حجة على إبليس ومن خلال تلك الحجة يحقق الطاعة لله كما أمر الله به. ولكن إبليس أراد أن يساوم ويكتف بما هو من عنده وما يريده هو، قدَم نفسه على أمر الله.
الله تعالى أبى عليه إلا أن يسجد وقال: أعبدني من حيث أريد لا من حيث تريد.
أي العبادة تكون من حيث ما يريده الله وليس من اجتهاد شخصي والعبد هو الذي يبتدع ويقرر بنفسه كيف أن يعبد الله حينما يكون أمر الله صريحا واضحا - حينما يكون التكليف واضح. أمر الله واضح وليس هناك حاجة للاجتهاد وإن كان البديل لأمر الله ظاهره عبادة! فالعبادة أصلها هو ما يأمر الله به كيف أن تكون العبادة وليس ما يحدده العبد من اجتهاده الشخصي ومن آراء الشخصي. وإن كان ظاهر تلك العمل "عبادة".
لاحظ وانتبه أيها القارئ، قبل أن نخوض فالموضوع ونتعمَق به بكل تفصيل، انتبه على هذه الأمور: الله أمر الملائكة وإبليس أن يسجدوا لآدم، والسجود لآدم كان جزء من العبادة لله، لأن السجود لآدم يعني الطاعة لأمر الله، فالسجدة كانت الوسيلة لإتمام العبادة لله تعالى - والسجدة لآدم كانت حجة ومن خلالها يحقق العبد تلك الطاعة التي أمر الله بها ويعبد الله من خلالها، فهنا تكون السجدة عبادة لله تعالى وليس لآدم - فالسجود لآدم كان واسطة - وسيلة لإثبات الطاعة والعبودية وذلك الخضوع - الخضوع لله وأمره - فحينها - أي تلك اللحظة - الله اختار فيها كيف أن تكون العبادة وهي بواسطة - ومن خلال تلك الواسطة يصل العبد إلى الله ولم يكن أي طريق آخر غير ذلك - فأمر الله أمر حتمي لا مجال فيه للتبديل والتعويض بشيء آخر. وإبليس لم يقل أنه لا يريد أن يعبد الله، بل أراد أن يستبدل أمر الله بعبادة أخرى يعوض بها أمر الله - بما هو من عنده ويجتهد ويقوم بما هو يريد، ورفض أن تكون هناك أي واسطة بينه وبين الله رغم أن الله جعل هنالك واسطة - كانت عليه حجة ولكنه جحد وعاند، فهو قدَم نفسه على أمر الله. رغم أن إبليس كان يؤمن بالله ويعبده ستة آلاف سنة، ولكن حين الوصول في ذلك الاختبار والتطبيق العملي المصيري وهو أمر الله بالسجود لآدم، حينما رفض أن يخضع لأمر الله ولم يطعه، فهنا فقد استكبر وجحد وكفر وما تكن له وسيلة غير الحجة - الواسطة التي جعلها الله. أمر الله كان واضحا: اسجد لآدم - التكليف على إبليس تلك اللحظة هو السجود لآدم طاعة لله - لا أمر غير ذلك… لكن ما قام به كان رفضا للحجة - الواسطة، والقياس (هو من نار وآدم من طين) واجتهد (أراد أن يأتي بعبادة بديلة تعوض تكليفه.. مكان السجود لآدم) وتوصَل إلى نتيجة "حسبنا السجود لله". فكان إبليس أول المجتهدين الضالين.
فنقول: حينما يجعل الله حجة على العباد، تكون هذه الحجة هي الواسطة بين العباد وبين الله - من خلال تلك الحجة، يصل العبد إلى ربه - الوسيلة للوصول إلى الله، وأي طريق غير ذلك - غير الحجة الواسطة التي يجعلها الله، ولو كانت عبادة ظاهرا، سيتحقَق الكفر والضلال لأن المعبود هو الذي يأمر وليس العبد - بأن يستبدل أمر الله ويقدم نفسه على أمره ويجتهد ويأتي بما هو من عنده ومن ما هو يعتقد به عوضا عن أمر الله. تماما كيف على سبيل المثال، الله جعل العبادة له تكون من خلال الصلوات الخمس التي نؤديها كل يوم، فهل يُعقل أن يقول أحد أن يستبدل ذلك بمثلا أن يختم القرآن كل يوم وتبرير ذلك يكون "لكن القرآن هو من الله وقراءته عبادة"؟ وإن كان ظاهره "عبادة" وشيء من الدين وغيره، سيؤدي إلى الضلال لأن الله هو الذي يأمر ويضع التكليف للعباد!
عن الإمام الصادق (عليه السلام): ثم قال الله تبارك وتعالى للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا له، فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد، فأبى أن يسجد، فقال الله عز وجل: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} فقال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}
قال الإمام الصادق (عليه السلام): فأول من قاس إبليس واستكبر، والاستكبار هو أول معصية عصي الله بها، قال: فقال إبليس: يا رب اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقال الله: لا حاجة لي إلى عبادتك، إنما أريد أن اعبد من حيث أريد لا من حيث تريد، فأبى أن يسجد.
ولكن هل الاختبار على العباد من بعد تلك الحادثة انتهى أم أستمر؟ هل هناك من يسجد وهناك من يأبى ويستكبر.. أم وقف الأمر هناك؟ هل هذا النوع من الاختبار الذي فيه من يطيع الله ومنهم من يعص ويعاند ويستكبر ويستبدل أمر الله بأمر آخر صادر من النفس بدلا من الله ورفض الواسطة ونكران الحجة كان فقط في تلك اللحظة أم أستمر عبر الزمان؟
قال جابر بن عبد الله: عن النبي (صلى الله عليه وآله): قال: "خلق الله قطعة من نور في صلب آدم (عليه السلام) ثم بعده نسلا عن نسل، حتى وصلت في صلب عبد المطلب [الجد الأول للنبي]، ثم انقسم ذلك النور واستقر في صلب عبد الله وأبي طالب، فنور عبد الله قد تمثل فيَ، ونور أبي طالب في علي (عليه السلام)، فأصبحت نبيا وعلي وصي النبي." - منتقى الدرر الجزء الأول ص29
جاء في عيون الأخبار عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): "كان سجودهم لله تعالى عبودية، ولآدم إكراما وطاعة، لكوننا في صلبه".
وهنا نقول: أن هذا النور الذي رفض أحدهم أن يسجد له ممتدا من صلب آدم إلى أن تمثل هذا النور بالنبي والوصي (صلوات الله عليهما)… أن الأمر ممتدا عبر الزمان، وإبليس يتوعَد العباد بأن يضلوا ويسيروا على نهجه الرافض لطاعة الله… والدنيا دار اختبار - وما خلق الله تعالى الجن والإنس إلا ليعبدوه. وكون الدنيا دار اختبار وهناك من يضلل الناس وعقل الإنسان وحده قاصر لمعرفة الله والتكاليف والعبادات، فلا بد من نبي يرشد الناس للهداية وأن يعلمهم عبادة الله وليصلح أمور دنياهم ويهيئهم لآخرتهم. فهكذا كان الوضع من أول نبي إلى خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله) ومن بعده وصيه، أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، كما أيضا جاء في حديث النور. وحديث النور يبين أن أن هذا النور انتقل لمحمد ولعلي، وكما أن علي خليفة من بعده، هذا يبين على أن القضية ممتدة حتى بعد خاتم الأنبياء.
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله"
وعنه (عليه السلام) أنه قال: "لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام"
وعنه (عليه السلام) أنه قال: "إن آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة لله عليه"
روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "اللهم إنه لا بد لك من حجج في أرضك حجة بعد حجة على خلقك يهدونهم إلى دينك ويعلمونهم علمك كيلا يتفرق أتباع أوليائك ظاهر غير مطاع أو مكتتم يترقب إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مبثوث علمهم وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عاملون."
فالعباد لم يُتركوا خلاء من حجة عليهم يدعوهم إلى سبيل الله ويرشدهم ليطيعوا الله ويعبدوه ويصلح أمورهم ويهيئهم لآخرتهم، من أول الأنبياء إلى آخرهم، الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ثم أوصياء الله، الأئمة الأثنا عشر، أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) ومن بعده أوصياء الله إلى الوصي اليوم وهو الإمام الحجة بن الحسن (عجل الله تعالى فرجه).
روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "ما بعث الله نبيا قط حتى يسترعيه الغنم ليعلمه بذلك رعية الناس"
فالأُمة بحاجة إلى راع، والغنام حينما تنحرف وتتبع هواها ولا تتبع الراع المسؤول عنها والأعلم بمصلحتها، تكون تائهة، تضع نفسها في خطر، قد يسقط أحدهم من الأعلى إلى الأسفل، يعرض أحدهم نفسه لخطر الذئاب والحيوانات المفترسة. فالغنام، لا تعرف مصلحتها، وهي بحاجة لمن يوجهها ويرشدها ويقودها - ووحدها تكون ضحية هزيلة عاجزة بلا وقاية وحصانة لنفسها من الخطورات والأضرار.
فالعباد دائما بحاجة لحجة تدعوهم إلى سبيل الله، إما نبي أو وصي… وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى.. "لئلا يحتج أحد على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة لله عليه"… والله لا يترك العباد وتكون الأمة تائهة والخطورة والفساد يعمهم. فهناك دائما حجة تنقذهم!
هذا يدل على أن القضية مستمرة من عصيان إبليس عندما نكر الحجة واتبع هواه إلى الأنبياء والأوصياء وإلى اليوم وما بعده حتى الظهور، بين الخضوع لله وطاعة أمره عبر الحجة لأن الحجة هو الواسطة بين الناس والله، والعصيان والتكبر واستبدال أمر الله بأمر آخر صادر من النفس بدلا من الله عبر حجته.
كل ما جاء نبي، كان الأمر متشابها مع أمر الله للسجود لآدم، حتى أن يؤمن الناس بالله، فكان النبي هو الواسطة بين الناس والله - فكان عليهم أن يطيعوا نبييهم ومن خلال هذه الواسطة وطاعة النبي يصل العبد إلى ربه، لأن النبي حجة عليهم، وهو من يرشدهم إلى الله ويهديهم ويدعهوهم إلى الله - وأمر النبي هو أمر الله وليس أمرا صادرا منه عن الهوى وإنما من الله، وحي يوحى، فالنبي، حجة - واسطة بين العباد وربهم. فمن أراد أن يعبد الله فكان عليه أن يطيع النبي ويقوم بما يأمره،.. وإلا كيف للعبد أن يؤمن بالله ويعرف كيفية عبادته ويعبده من دون أن يطيع النبي ويتبع أوامره بينما هو الذي يوصل الرسالة إليهم ويعلمهم الدين وكلام الله والأحكام الشرعية والتكاليف؟! فحينما يأمر الله من خلال نبيه أن تكون الصلاة بهذه الطريقة المعينة، هل يستطيع أحد أن يقول أنه يريد أن يصلي على حسب طريقته ويخالف أمر النبي وهو أمر الله فالأصل؟ فالصلاة عبادة، لنقُل هي أربعة ركعات، ثم يأتي أحد ويقول خمسة ركعات، فالخمسة، أكثر من أربعة وحينها، يحسب أن هذا الأمر صحيحا لأنها أولا ما تزال صلاة، وعلاوة على هذا أن الخمسة أكثر من أربعة فهي أفضل؟! فهنا، أخذ ذلك الشخص الشيء من النبي وهو صادر من الله، ويعمل وكأن ليس هناك بحاجة لإرشاد من نبيه وهو إمامه الذي هو حجة عليه، يأخذ كيفية التعبد منه، ويكتفي بما هو من عنده، فيكون الأمر له إما بالزيادة أو النقصان من أمر الله واستبدال أمر الله بشيء آخر. من يخالف أمر نبيه، من يخالف أمر حجته فقد خالف أمر الله. فهم قد يكونون مؤمنين بالله، ويعبدون الله سنين، تماما كإبليس، ولكنهم يستبدلون أمر الله استكبارا واكتفاء بما هو من عندهم! ويرفضون الإرشاد والحجة التي عليهم - يرفضون الواسطة وهو النبي الذي نزل عليه الدين والأحكام، استكبارا على حجة الله، ومن ثم يأتون بشيء من عندهم ومن هنا يتحقَق الضلال. يعني هل يصح أن يأتي مسلما عاقلا ولنفترض في زمن النبي، تعلَم الصلاة للتو وترك بقية الأمور والأحكام والعبادات ويقول حسبنا الصلاة..؟ وإن كانت الصلاة هي عبادة - فهذا المنهج والطريق كفر وضلال واستكبار!
وها القرآن الكريم، يتحدَث عن أعمال بني إسرائيل، تارة يطيعون نبيهم ويعبدون الله كما علَمهم نبييهم...، ثم يخالفون ويرفضون الحجة التي عليهم ويتبعون هواهم ويكتفون بما هو لديهم ويلجأون للاجتهاد ومن هنا يبدأ التحريف والضلال بل ويتمرَدون على النبي حين المواجهة… واستمر هذا الحال حتى في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وبعده.
عندما وُلد النبي (صلى الله عليه وآله)، صاح ابليس لعنه الله في أبالسته، فاجتمعوا اليه فقالوا: ما الذي أفزعك ياسيدنا؟ فقال لهم: ويلكم لقد انكرت السماء والارض منذ الليلة، لقد حدث في الارض حدث عظيم، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث، فافترقوا ثم اجتمعوا اليه فقالوا: ما وجدنا شيئاً، فقال ابليس لعنه الله: أنا لهذا الامر ثم انغمس في الدنيا فجالها حتى انتهى الى الحرم فوجد الحرم محفوظاً بالملائكة فذهب ليدخل فصاحوا به، فرجع ثم صار مثل الصر وهو العصفور فدخل من قبل حرى، فقال له جبرئيل: ما وراك لعنك الله، فقال له: حرف أسألك عنه ياجبرئيل! ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الارض؟ فقال له: ولد محمد صلى الله عليه وآله، فقال له: هل لي فيه نصيب؟ قال: لا، قال: ففي آمته؟ قال: نعم، قال: رضيت. - منتقى الدرر الجزء الأول ص36-37
وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير: "إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم.. فمن كنت مولاه، هذا فعلي مولاه"… وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}.
فهي كالسلسلة وهذه السسلسلة لا تنقطع ولا تنفك والحجة هي التي توصلنا إلى الله.. القضية مستمرة، قضية السجود لذلك النور - الخضوع لله وطاعة أمره عبر الحجة، ورفض ذلك السجود - والعصيان والاستكبار واستبدال أمر الله بأمر آخر صادر من النفس بدلا من الله عبر حجته - إبليس لم يكتف بعصيانه بل يريد الناس كلها تعص الله كما جاء فالخبر، فهو متربص بأمة محمد (صلى الله عليه وآله). العبد الذي يخالف أمر حجته، من يخالف النبي أو الوصي فقد خالف أمر الله... وهناك رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): "من خالف كتابَ الله وسنَّة محمّد فقد كفر"…!
فهم قد يكونون مؤمنين بالله، ويعبدون الله سنين، تماما كإبليس، ولكنهم يستبدلون أمر الله استكبارا واكتفاء بما هو من عندهم! رغم أن ذلك قد يكون من الله فالأصل. كالقرآن وهو من الله إلى النبي، إلى الأمة...
لا نخوض من أوائل البدايات في كل مثال، ونتعمق بكامل التفاصيل حتى لا نطيل عليكم… ولكن إليكم بعض الأمثلة:
❖ رزية الخميس
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث الثقلين: "يا أيها الناس! إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله و عترتي أهل بيتي."
ولكن ماذا عن "الصحابي" عمر بن الصهاك الذي صاحب النبي سنين وذهب معه وجاء معه وصلى خلفه وأتبعه؟ حينما طلب النبي (صلى الله عليه وآله) بأدوات الكتابة حتى يكتب وصية حتى لا يضلوا من بعده وهو على الفراش؟
قال بن الصهاك: "إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.".. بل وفي رواية أخرى قال عنه "يهجر"!
النبي يقول كتاب الله والعترة - أي سبيل النجاة للمسلمين هو كتاب الله والعترة وإلا سيضلون… بينما عمر بن الصهاك؟ يقول كتاب الله فقط… كتاب الله كاف وليس هناك بحاجة لشيء آخر - ليس هناك بحاجة لواسطة - لحجة، يُعلم النبي دينه ويصححه ويقول للنبي لا، ليس هناك أي حاجة لشيء آخر… يعني ليس هناك حاجة لطاعة من نزل عليه القرآن والأحكام، فعمر هنا رأى نفسه أعلم من النبي.. النبي الذي هو نزل عليه الوحي والقرآن ولكن عمر أبى واستكبر ورأى نفسه أعلم.. والعياذ بالله.. هذا في حد ذاته كفرٌ. عمر قدَم نفسه بتقديمه للقرآن على أمر وقول النبي (صلى الله عليه وآله) كما قدَم إبليس العبادة نفسها على أمر الله (السجود لآدم).. فالأمر والتكليف كان واضحا لإبليس، اسجد لآدم.. ولكنه أبى واستكبر وأراد أن يأتي بعبادة اخرى من اجتهاده - الله يأمر بالعبادة وكيف ما هو يريد وليس كما العبد يريد... موقف عمر بن صهاك كان أيضا كذلك، الأمر والتكليف كانا واضحان أمامه، احضر أدوات الكتابة وطع أمر النبي… ولكنه أبى واستكبر واجتهد واستبدل الأمر بالقرآن فقط، فعصى أمر النبي وهو أمر الله فالحقيقة، بل قام بأكثر من ذلك - كما سيأتي بالتفصيل.
تذكر، طاعة النبي هي عبادة لله كما كان السجدود لآدم عبادة لله لأنها طاعة لأمره. قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله}.
كلنا نعلم أن قراءة القرآن عبادة، ولكن ما دام النبي موجودا طاعة النبي أوجب حينما يأمر! طاعة الحجة أوجب! تقديم أمر النبي أوجب! تقديم أمر الحجة أوجب!!! لأن لم يكن ممكنا لأي مسلم أن يصله الدين والقرآن من دون النبي، فالدين كله نزل عليه، فكان النبي واسطة بين الناس والله، فطاعته تعني طاعة الله، تماما كما كانت السجدة لآدم هي طاعة لله والسجدة كانت وسيلة لتحقيق الطاعة والخضوع لله، ولكن إبليس لم يقل أنه لا يريد أن يعبد الله أو لا يريد أن يطيع الله، هو رفض أمر الله ولم يخضع لأمره واستبدل أمر الله بشيء من نفسه، وذلك الأمر الذي أراد أن يستبدل به بشيء آخر وفقا لهواه مخالفا لتكليفه، أراد أن يأتي بعبادة أخرى… فهنا، إبليس اجتهد رغم أن الأمر كان واضحا والتكليف كان واضجا، الحجة التي كانت عليه واضحة - فقط اسجد لآدم..!
فهنا إبليس الثاني، عمر، عصى أمر النبي وهو أمر الله وقدَم القرآن على النبي، تماما كما عصى إبليس السجود لآدم - تقديم عبادة على الحجة وتلك العبادة جاءت من ذلك الحجة، فالحجة متقدمة على تلك العبادة التي قدَمها عمر عليه - يعني أن النبي متقدّمٌ على القرآن، كما أن أمرَ الله متقدّمٌ على العبادة التي كان إبليس يسعى لها ليستبدل بها أمر ربّه.
عمر، قدَم القرآن الذي تنزَل على النبي، ومن دون النبي كيف لكان هناك قرآن لعمر؟! فهنا، جعل عمر القرآن حاكما على النبي رغم أن النبي هو الذي أوصل القرآن للأمة، الوسيلة والواسطة والأساس حينها كان النبي ومن بعده الكتاب والعترة معا، وفقا لحديث الثقلين! "إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله و عترتي أهل بيتي."
ما يمكننا أن نقول: أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بداة ليكتب وصية، هذا كان اختبار.. وهو أمر الله، والنبي لا ينطق عن الهوى، وإنما هو وحي يوحى - فذلك الوحي من الله. ما قام به عمر: رفض أمر النبي وهو أمر الله، رفض أن يكون هناك أي واسطة بينه وبين الله أو بينه وبين كتاب الله، فترك النبي، ترك إمامه - ترك الحجة وتكليفه، وأخذ بالقرآن الذي تعلمه من النبي من دون الأخذ من من تنزَل عليه القرآن، استبدل التكليف بشيء من هواه - أخذ بشيء من الدين وترك شيء من الدين. أي بمعنى آخر، عمر اجتهد، كما اجتهد إبليس رغم أن الأمر كان واضحا، والتكليف كان واضحا والحجة التي كانت عليه واضحة.
فهنا، كان يفترض للنبي حينما طلب بداة ليكتب وصية، أن تكون له سجدة لتحقيق الطاعة لأمر الله، سجدة ليست جسدية، وإنما طاعة لأمر النبي لأن أمره أمر الله - فكانت الطاعة للنبي أمر وحجة وتكليف على الصحابة في ذلك الوقت، تماما كيف كانت السجدة لآدم حجة - كانت حجة على الملائكة وإبليس - فذاك العمل كان الوسيط - بين العبد والله، وهذا هو الاختبار، ولكن عمر أبى واستكبر، فقال: حسبنا كتاب الله… فهو لم يقل أنه لا يريد أن يطيع الله والنبي شفويا وأدار وجهه فورا… تماما كما قال إبليس أن يعبد الله بدلا من السجود لآدم، عمر قال أن يتبع القرآن بدلا من النبي ووصيته. كما ضل إبليس من بعد اختبار السجود لآدم، ضل عمر ضلالا مبينا بعد اختبار رزية الخميس. عمر رفض الطاعة، وقال حسبنا كتاب الله.
بل عمر رفض الطاعة مرارا وتكرارا - يعني رفض أكثر من سجدة… عمر رفض العترة حينما رفض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه)، حينما رُفعت يده يوم الغدير وقال النبي (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فهذا علي مولاه… ولكن عمر اكتفى بالقرآن وترك العترة، حسبنا كتاب الله… الأمر كان بقمة الوضوح، "من كنت مولاه فهذا علي مولاه".. أما عمر؟ ذهب ليستبدل الأمر كما فعل إبليس - بشيء من عنده، ذهب لسقيفة بني ساعدة حيثما ابتدع واجتهد وأتى بانتخابات التي لا أصل لها… رفض أن يطيع النبي ورفض أمر الله… فحينما قام بهذا، ضل عمر أم لم يضل؟! وقد سبق وتكلمنا عن أهمية الحجة وكيف الحجة واجب الطاعة وإلا نفس خطأ إبليس سيتكرر ويضل الشخص - تماما كالغنام حينما تذهب باتجاه مخلالفا بالاتجاه الذي يأمر بها الراعي!
كما ضل إبليس من بعد اختبار السجود لآدم، ضل عمر ضلالا مبينا بعد اختباررزية الخميس ونكره لغدير خم.
والأمر مستمر مع عمر… النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "يا فاطمة، إن الله يغضب لغضبك ويُرضى لرضاك."
وفي حديث آخر: "فاطمة بضعة مني، فمن آذاها فقد آذاني."
أما عمر؟ ماذا قام به عمر بن الصهاك بعد استشهاد النبي؟! قدَم بيعة أبي بكر - قدَم خلافة أبي بكر الغاصبة على قول النبي لابنته سيدة نساء العالمين حينما بيَن مكانتها العالية… هجم عليها وكسر ضلعها واسقط جنينها المحسن حتى يفرض بيعة أبي بكر على الإمام علي عليه السلام - تاركا ما رآه يوم الغدير بعد أن شاهد الاختيار الإلهي لعلي (عليه السلام) كخليفة وإمام... هذا ضلال أم لا؟؟ "حسبنا كتاب الله" هذا هو كان نهج عمر- رفض النبي، رفض العترة واكتفى بالقرآن وهذه هي النتيجة... "حسبنا كتاب الله" ولم يريد أن تكون الحجة هي المرشدة. تماما كإلبيس، رفض أن يكون الله هو المرشد له وأتى بشيء من عنده - من هواه - بما هو يناسبه! رغم أن الأمر كان واضحا!! والتكليف كان واضحا!!
كما ضل إبليس من بعد اختبار السجود لآدم، ضل عمر ضلالا مبينا بعد رزية الخميس ونكره لغدير خم والهجوم على دار الزهراء (عليها السلام).
بل وهناك المزيد من عمر…
النبي (صلى الله عليه وآله) يقول كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار…
كما أن بني إسرائيل حرَفوا الدين مرارا وتكرارا بعد غياب الحجة عنهم، تركوا ما أمر به نبيهم ورسولهم، وجائوا بما هو من عندهم، ومنهم من عبد العجل وغيره!! بعد استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله) حدث أمر مشابها!
يأتي بن الصهاك وهو من قال "حسبنا كتاب الله" تاركا العترة - تاركا الحجة، بينما النبي يقول كتاب الله والعترة… ويبتدع بالدين ويجيء بصلاة التراويح جماعة ويقول نعم البدعة هذه… هذا ضلال أم غير ضلال؟ "حسبنا كتاب الله" هذا هو المنهج القرآني الخالي من العترة.
كما ضل إبليس من بعد اختبار السجود لآدم، ضل عمر ضلالا مبينا بعد رزية الخميس ونكره لغدير خم والهجوم على دار الزهراء (عليها السلام) وادخاله البدع فالدين…
لاحظ، منذ أن نزل القرآن إلى اليوم… أبدا لم ينفك من إمام معصوم، فهما لا يفترقان.. فالنبي (صلى الله عليه وآله) كان إماما للأمة الإسلامية في ذلك الزمان.. ولكن وهو على الفراش، قدَم عمر القرآن على النبي - والنبي إمامه… شكَك عمر بإمامه - بنبيه وقال عنه يهجر وغلب عليه الوجع وذهب رأسا إلى القرآن فقط متجاها أمر النبي… ليس هناك حاجة لشيء آخر.. الكتاب فقط، جعل الكتاب هو الحاكم على النبي - كما جعل إبليس العبادة التي أراد أن يأتي بها لها أولوية أعلى أمر الله. أخذ عمر بالقرآن الذي هو نزل على النبي نفسه، وترك النبي نفسه الذي هو إمامه - هو من علَمهم القرآن هو من يتنزل عليه الوحي!
وهذه المصيبة من الغدر والخيانة للدين لم تقف على النبي (صلى الله عليه وآله) فقط… بل تكرَرت أحداث عديدة مثل هذه في زمن إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقدَموا القرآن عليه… وشكَكوا به وأخذوا بالقرآن فقط وتركوا إمام زمانهم. فالنور كان في آدم (عليه السلام)، ورفض إبليس السجود له، من بعدها إلى أن وصل هذا النور إلى محمد وعلي (عليهما السلام)، فمنهم من رفض أن يطيع النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن بعد النبي..، النور ما زال موجودا في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمنهم من رفض أن يطيع الإمام… فاستمر منهج رفض الطاعة الذي أسسه إبليس نفسه.
فأخذ عمر هذا النهج - نهج الحسد والاستبكار والجحود واستبدال أوامر الله… من رفض السجدة لآدم إلى رفض العترة على يد عمر، المنهج القرآني الخالي من العترة التي يوصي بها النبي، منهج حسبنا كتاب الله وهذا المنهج استمر جيلا بعد جيل.. والأبالسة قدَمت القرآن على الإمام… وجعلوا القرآن حاكما على الإمام وليس العكس، تماما كما فعل عمر، فهو أول من قام بهذا المنهج. وتكرَر هذا المنهج العمري الصهاكي في ثلاثة أحداث بارزة… لا ندخل بكامل التفاصيل بعد أن أطلنا عليكم، فإليكم مواقف موجزة…
• أولها.. في معركة الجمل:
جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال له: يا علي، علامَ تقاتل أصحاب رسول الله، وهم شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ (يقصد طلحة والزبير، ومعهم عائشة أم الجمل).
أولا، انظر إلى الوقاحة في ذلك الأسلوب… يخاطب إمام زمانه باسمه.. مناداة الرجل باسمه عند العرب هو عمل وقح وقليل الاحترام.. فإذا ما بالك حينما يكون مولانا أمير المؤمنين قسيم الجنة والنار.. وصي النبي.. الذي رُفعت يده يوم الغدير من كنت مولاه فهذا علي مولاه…؟
يقول الرجل: يا علي، علامَ تقاتل أصحاب رسول الله؟؟؟
ينادي الإمام باسمه، بينما يصف المعتدين الذين ارتدوا بأنهم "أصحاب رسول الله"! يعني هذا الرجل يشك بموقف الإمام… وهو يراه "علي" فقط مقارنة معهم - أي أن الطرف المقابل هم صحابة رسول الله - يرى عائشة بأنها "زوجة النبي أم المؤمنين"… ويحتج على الإمام وكأنه طائفي ويثير الفتنة… وإذا شنَت عائشة الحرب على الإمام وخرجت من بيتها؟! ولو خالفت الله، وخالفت أمر النبي (صلى الله عليه وآله)، وخرجت على إمام زمانها.. ولو الإمام رغم أنه قال لها ارجعي فلم ترجع… ولو هي التي شنَت هذه الحرب… يأتي هذا الرجل ويتجرَأ وكأنه يلقي اللوم على الإمام ويقول: يا علي، علامَ تقاتل أصحاب رسول الله؟؟؟ يعني أليس هذا الأمر سيفرق الأمة ويسبب فتنة؟ لما الحرب؟ ألا تعلم يا إمام أن من بعدك بألف عام سيخرج معممين ومراجع كرام يأمرون باحترام رموز السنة وها أنت تلعنهم وتكفرهم بل تقاتلهم؟ لما تخالف المرجعية الكريمة وتثير الفتنة؟!؟! فهم قالوا الشهادة "لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وهم من الصحابة ورموز السنة وعائشة أم المؤمنين ولها شرف وكرامات كما قالت المرجعية الكريمة… وإذا شنَوا الحرب عليك يا علي؟! تبرر الطائفية هكذا؟! علامَ تقاتل أصحاب رسول الله؟؟؟
قال أمير المؤمنين عليه السلام: أقاتلهم بالقرآن.
ثم تلا الآية: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}
فحينها تيقَن هذا الرجل عندما سمع هذه الآية وقال: كفروا ورب الكعبة!!
فهذا الرجل قد أظهرالجهل بمكانة الإمام وقيمته وعظمته وهذا الجهل أدَى للتشكيك فيه والعياذ بالله، مع أن الإمام هو القرآن الناطق وهو الحجة على المؤمنين بعد النبي.. هو الوصي، هو الإمام الذي اختاره النبي إنما اختاره الله في الأصل ليكون وليا على المؤمنين من بعد النبي، فكيف يُتصوَّر أن يكون هذا الإمام، الحجة المعينة من قبل النبي وهو فالأصل اختاره الله أن يكون وليا على المؤمين، أسيرا لتبرئة نفسه وموقفه في حرب دفاعية أصلا؟ هذا يكشف مقدارالجهل والتشكيك حين يُقدَّم مجرد اسم "صحابة رسول الله" على الحجة، وكأن الصحابة صاروا أقدم وأولى من الإمام نفسه، وكأن اختيار النبي للإمام في غدير خم يحتمل الشك أو الخطأ والعياذ بالله؛ وحتى إن كان ذلك الرجل في صفوف أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإن الشكوك والجهل بأمر الإمام قد وقعت عليه وافتتن ولو بلحظة، مع أن الإمام لم يكن هو من شن هذه الحرب بل هم الذين شنوها، فكيف يسأل: "علام تقاتل أصحاب رسول الله؟"؛ وهذا إنما كان نتيجة افتتانه بما يسمونه "الصحابة"، فلم يميز الحق من الباطل رغم وضوح المعتدي ووضوح من خالف الله ورسوله، ومع أنهم هم من بدأوا العداء والحرب - فهو جهل مكانة إمام زمانه ولم يكن على يقين تام، فجعل مجرد الاسم والانتماء إلى "الصحابة" أمرا أثقل من كل الفضائل للإمام وغدير خم وغيره من أقول النبي عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم)… لماذا؟ لأن موقفه ذلك الوقت لم يكن بالقرآن والعترة.
"علي مع القرآن والقرآن مع علي"… هما لا ينفصلان - قول الإمام (عليه السلام) هو قول القرآن لا يختفلان ولا يمكن أن يختفلان.
ولكن هذا الرجل تيقَن بعدها وإن شكَ أولا. ولاحظ!!! لم تكن له قدرة أن يتيقَن ويكون مع الحق أمام الباطل إلا حينما أخذ بالقرآن والإمام - الحجة معا! موقف الإمام والقرآن. فلولا الإمام مع القرآن، لم يكن ذلك الرجل قادرا على انقاذ نفسه من الهلاك والضلال.
اعلم: هذا المثال الذي ذُكر هو مختلف عن ما سيُذكر في الأمثلة الآتية… كان هذا الموقف ناتجا من الجهل - خلافا مع موقف عمر بن الصهاك فكان ذلك من العناد والبغض والنفاق والاستكبار، المراد من هذا المثال هو تبيين خطورة التشكيك بالإمام - الحجة - وعدم طاعة الإمام وعدم رؤيته كواسطة بيننا وبين الله - خصوصا بأن هذا الحجة هو وصي النبي والنبي لا ينطق عن هواه وإنما هو وحي يوحى - وفي توضيح أخص، كيف تكون الخطورة على من لا يكون منهجه منهج القرآن والعترة.. فسرعان ما يفتتن ويكون معرضا للضلال. وفي الأمثلة الآتية سيتَضح أكثر عن هذا النمط من التشكيك وعدم اليقين وغيره وماذا قد يؤدي هذا النمط من الفكر. فعلى المؤمن أن يكون على يقين بوصية النبي وأمر الله في كل موقف - في كل فعل وقول - ولا يفتتن بأي شيء آخر وإن كان ذلك هو القرآن نفسه كما سيأتي! فالمنهج الصحيح الذي ينجي المسلم هو القرآن والعترة.
• ثانيا.. في معركة صفين:
حينما رأى معاوية بن أبي سفيان (لعنة الله عليه) بأن الفشل فالمعركة أمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر حتمي… أراد حيلة حتى ينقذ نفسه وحكمه الطاغي..
فقال معاوية لعمرو بن العاص (لعنة الله عليهما): «ويحك! أين حيلك؟»
فقال عمرو: «إن أحببت ذلك فأمر بالمصاحف أن ترفع على رؤوس الرماح ثم ادعهم إليها».
فأمر معاوية (لعنة الله عليه) بالمصاحف فرفعت على رؤوس الرماح، و صاح أهل الشام: «يا علي! يا علي! اتق الله اتق الله! أنت وأصحابك في هذه البقية، هذا كتاب الله بيننا و بينكم»
ثم قال عمرو: أتوا بالمصاحف و نادوا: «يا أهل العراق! هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فاللّه الله في البقية والحرم والذرية الصغار! من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟»
وكيف كانت ردَة فعل جيش أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ انخدعوا بحيلة معاوية وانقسم جيش أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى قسمين… فجاءه زهاء عشرين ألفاً، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين: «يا علي! أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه - و إلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم»… أي ليسمع الإمام علي (عليه السلام) لما يقولون من أجل التفاوض وغيره…
لاحظ…!هم أيضا شكوا بإمام علي (عليه السلام) وصاروا ضده، وهم أيضا نادوا الإمام باسمه "علي"! كما حدث في معركة الجمل.. فهم افتتنوا بالمقابل ووضعوا المقابل أولا - جعلوا المقابل أولى - في معركة الجمل، كانت "الصحابة" أقدم، أما هنا فجعلوا القرآن الصامت أقدم على الإمام وافتتنوا به. وهذه المصيبة - أن يجعل الشخص شيئا آخر حاكما على الإمام بينما الإمام أماهم - وهو القرآن الناطق! هو الوصي! "علي مع القرآن والقرآن مع علي"
فرد عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلا: «ويحكم!! أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه، وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إنّي إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم، وأنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون».
وتكرر الأمر نفسه، فهم رأوا القرآن على الرماح، جعلوا القرآن حاكما ومتقدما على الإمام وقلبوا ضده في لمحة بصر، تماما كما فعل عمر في رزية الخميس… "حسبنا كتاب الله" - تاركين الحجة عليهم والحجة واجب الطاعة - الواسطة بين الله والعباد... فهؤلاء، العشرين ألفا، جعلوا مسمى القرآن حاكما على القرآن نفسه - المسمى أصبح حاكما على الإمام وأولى منه.
الإمام علي (عليه السلام) يقول: "أنا القرآن الناطق" أي كلامه كلام الله! موقفه لا يخالف ما يأمر به الله وما ينهي عنه الله!!
وأيضا قال: "هذا كتاب الله الصامت، وأنا المعبر عنه، فخذوا بكتاب الله الناطق."
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "علي مع القرآن والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة."
ولكن جعلوا القرآن الصامت حاكما على القرآن الناطق.. أخذوا بالقرآن الصامت ولم يأخذوا بالإمام الذي أوصى النبي به أمام الأمة! كل ما صدر من النبي نفسه عن الإمام علي.. لم يكن كافيا... بل وأصلا تركوا ما فالقرآن.. ما يأمر به القرآن… وذهبوا للمسمَى فقط تاركين بما فالقرآن الذين هم وراءه، {إِنَّمَا وَلِیُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِینَ یُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَ ٰكِعُونَ}.. ولكنهم خلف المسميات فقط وتاركين العترة التي أوصى بها رسول الله!
"كيف نحارب قوم يرفع كتاب الله، القرآن؟!" ثم ذهبوا وتوعَدوا بقتل القرآن الناطق، علي ابن أبي طالب (عليه السلام)… تماما كما فعل عمر بن الصهاك، تقديم القرآن على النبي. لماذا افتتنوا وضلوا؟ لأن منهجم لم يكن منهج القرآن والعترة… منهجهم منهج "حسبنا كتاب الله"… الذي ورثوه من عمر بن الصهاك. وهذه هي النتيجة… الكفر والضلال عينه.
حدثنا محمد بن علي بن سكر رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن القاسم ، قال: حدثني عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا شريك ، عن الركين بن الربيع، عن القاسم ابن حسان، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، واعلموا أن عليا لكم أفضل من كتاب الله لأنه مترجم لكم عن كتاب الله تعالى.»
• ثالثا… أشقى الأولين والآخرين عبدالرحمن ابن ملجم، قاتل أمير المؤمنين كان حافظا للقرآن!
ابن ملجم (لعنة الله عليه)، ذُكر عنه أنه كان يصلّي ويصوم ويقرأ القرآن… ولكن عبادته من الصلاة والصوم، وقرائته للقرآن كانت مع الأخذ من الإمام أم من دون الإمام - القرآن والعترة أم القرآن الصامت وحده؟ رغم حفظه للقرآن أنتهى الأمر به بقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، كيف تحقَق ذلك الضلال والكفر لمن حفظ القرآن؟! فأين ذهبت عبادة قراءة القرآن وحفظه؟!
الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ الْحَكَمِ وَإِسْمَاعِيلَ ابْنَيْ حَبِيبٍ عَنْ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلام) يَقُولُ:
بِنَا عُبِدَ الله، وَبِنَا عُرِفَ الله، وَبِنَا وُحِّدَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَمُحَمَّدٌ حِجَابُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
الحجاب يعني الشيء الذي يتوسط بين شيئين... وما ذُكر في مرآة العقول: المقصود بالحجاب هنا هو أن محمد (صلى الله عليه وآله) واسطة بين الله وبين خلقه.
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرفه يعبده هكذا ضلالا.
قيل له: جعلت فداك، فما معرفة الله؟
قال (عليه السلام): تصديق الله عز وجل، وتصديق رسوله ومولاة علي والإتمام به وبأئمة الهدى (عليهم السلام) والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم، هكذا يُعرف الله.
يتبين هنا لنا أن مهما كانت العبادات فهي لن تؤدي إلى الهداية الحقيقية والعبودية التي يريدها الله سبحانه وتعالى - كما أراد إبليس أن يختار بنفسه عبادة لله بينما أمر الله كان واضحا: "أعبدني من حيث أريد لا من حيث تريد."
فالله أراد لنا العبادة من خلال ولاية محمد وآل محمد (عليهم السلام)، من خلال العترة. بمحبتهم. بالتبرؤ من أعدائهم. القرآن والعترة!
فالقرآن وحده لا ينفع ومهما كانت العبادات بأنواعها وكثرتها - إن لم يكن المنهج القرآن والعترة سيتحقق الضلال وأكَد لنا ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) - إنن تمسكنا بهما لن نضل.. كتاب الله والعترة، القرآن وحده من دون الإمام - من دون الحجة يكون فقط مُسمى فالواقع العقائدي والروحي والعملي للشخص - وسبق وتحدثنا عن كيف البعض يضل ويفتتن بالمسميات تاركين الأصل والأساس - تاركين القرآن الناطق. وكما قلنا، القرآن والإمام لم ينفكا، وحينما نزل القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى أن يصل هذا القرآن للأمة، فكان هو الذي ينطق به للأمة… فكيف أن لا تكون طاعة للنبي ويكون القرآن حاكما ومتقدما وأولى على النبي وهو نازلٌ عليه؟! كيف يُؤخذ بالقرآن وحده؟!
قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): "من أحب الله فليحبني، ومن أحبني فليحب عترتي. إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ومن أحب عترتي فليحب القرآن"
وقال أيضا: "فضل الله عز وجل القرآن والعلم بتأويله ورحمته وتوفيقه لموالاة محمد وآله الطاهرين ومعاداة أعدائهم".
ما قاموا به جميعا في الأمثلة السابقة، هو الأخذ بالقرآن الصامت دون الإمام - القرآن الناطق، أخذوا به كما يريدون وليس كما يريد الله... تماما كعصيان إبليس لله، حينما أمر الله إبليس للسجود لآدم، بينما الملائكة طاعت الله وسجدت خضوعا لله، رفض إبليس أن يطيع الله ورفض أن تكون هناك واسطة بينه وبين الله ورفض تلك الواسطة (السجود لآدم) وهي وسيلة للتقرب إلى الله وعبادته وطاعته حينما أمر الله بذلك، وساوم وأراد أن يستبدل أمر الله بما بأمره، تقديم نفسه وهواه على الله، قال إبليس أن يعبد الله بدلا من ذلك، عبادة ما عبد الله أحد قط مثلها… أُمر من الله ولكنه أبى واستكبر واختار نفسه وهواه ولجأ للقياس والاجتهاد… ولاحظ هو لم يقل بأنه يرفض العبادة، وإنما استبدل الطاعة والعبادة التي كانت من أمر الله. الأمر نفسه تماما مع عمر بن الصهاك ومع من غدر بالإمام علي (عليه السلام) في صفين ومع قاتل الإمام، ابن ملجم لعنة الله عليه. كلهم قاموا تماما بنفس فعل إبليس - هم ورثة الشيطان في هذه المنهجية.
رغم أن بن ملجم كان حافظا للقرآن، كان حفظه عمل عقيم وفي موقف تحديد المصير لم يكن سوا مسمَى (حافظ القرآن) وذلك الحفظ لم يؤدي إلى شيء سوا الكفر والضلال… لماذا؟ لأنه ترك القرآن الناطق وكان منطقه ومنهجه "حسبنا كتاب الله" - القرآن بلا العترة.
منهج اتباع القرآن بلا العترة - بلا إمام… منهج جعل القرآن حاكما على الإمام ومتقدما عليه ويكون الإمام ثانويا - الأخذ به بالهوى بدون تأويل وتفسير الإمام… منهج "حسبنا كتاب الله" العمري الصهاكي هو منهج ضال، منهج بدعي، منهج كفر، منهج زندقة، منهج ساقط، منهج حابط، منهج جاهلي، منهج سافل، منهج حقير، منهج ملعون، منهج طاغي، منهج منحرف، منهج خايس، منهج نغل، منهج وسخ، منهج نجس، منهج خبيث!!! منهج ناصبي!!! منهج الشيطان!!! حافظ القرآن ولكنه قاتل الإمام!!!
كما أن ظاهر العبادة التي أراد إبليس أن يعبد الله بها وإن كانت تبدو وأنها بشيء ظاهره ما يزال حسن - تماما ما قام به ابن ملجم - وإن كان حفظه للقرآن ظاهره حسن... ألا وأن نتيجة إبليس ونتيجة ابن ملجم واحدة! كفر وضلال. نعبد الله كما الله يريد! القرآن والعترة! وليس كما العبد يريد!
• رابعا… المنهجية الغادرة مستمرة بل وحتى من قبل الشيعة!
لا تنسوا فإن ابن ملجم كان أيضا يتبع الإمام إلى أن أتت اللحظة المصيرية وضل… فالثبات ليس مضمون حتى على أتباع الإمام (عليه السلام) اليوم…
فقد تعرَض أمير المؤمنين (عليه السلام) من الغدر حتى قبل أن يستشهد. وأعداءه لم يكفروا علنا بالدين كله وإنما أخذوا جزء وتركوا جزء ومن هنا تحقَق الغدر والكفر والضلال من أعمالهم المنافقة. فحتى من كان في صفوف الإمام افتتن بالمسميات وغيرها وضل وكفر. وكما قلنا الدنيا دار اختبار - فحتى اليوم من يقول أنه شيعي موالي فهو ليس مستثنى من هذا النوع من الافتتان… فقد سبقه من كان يعبد الله آلاف السنين وكفر، ومن "صاحب" النبي سنين وكفر، ومن كان في صفوف الإمام وكفر، ومن كان حافظا القرآن وكفر…
وابن ملجم لم يكن وحده ولم يصنع هذا المنهج، هو لم يثمر إلا من نفس الشجرة الملعونة التي زرعها إبليس - ومن قبله كان عمر وغيرهم - فكلهم كانت نتيجتهم الغدر بالنبي والأئمة (عليهم السلام).
فالمنهجية هذه مستمرة وإن اختلفت الوسائل كالقرآن وغيره والمسميات - ما زال الضلال يتكرر… ينحرفون عن منهج "كتاب الله والعترة"… إلى اليوم ما زال هناك من يغدر بالإمام ويجعل القرآن أولى ويكتفي به ويهمل ويترك أهل البيت (عليهم السلام) تاركين الروايات والأحاديث - للمخالفين غالبا يقومون بالأخذ بالقرآن فقط مما أدى إلا تزايد عدد الناصبة فهم غالبا ما يحتجون "لما الإمام لم يُذكر بالإسم فالقرآن؟" رغم أن هناك آيات دالة على الإمام والتأويل والتفسير يثبت ذلك والسنة النبوية تثبت ذلك - ولكنهم أيضا مفتتنين بالمسميات السطحية فقط تماما كالأمثلة التي ذكرناها في معركة الجمل وصفين وابن ملجم.
قال أمير المؤمين (عليه السلام): "لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنّة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا."
وهذا الأمر ليس مختصا بالمخالفين الناصبة… بعض عمائم الشيعة على سبيل المثال، تضعف الكثير من الروايات والأحدايث وحينها يكون عندهم نقصا واضحا فالاستدلال والكلام الذي يتعلق بالفضائل وحتى الأحداث التاريخية المتعلقة فالحروب وعصر الغيبة والظهور وغيره، فيحنها عندما يكون عندهم هذا النقص الملحوظ، يسعون للأخذ من دين الناصبة المخالفين عوضا عن ذلك - بينما يقول النبي (صلى الله عليه وآله): "كتاب الله والعترة" - وهذا ليس افتراء بل العديد من تلك العمائم تقر بذلك بنفسها بأنها تأتي بأحكام شرعية من الناصبة باسم التشيع، فهم ينسفون بالعديد من الروايات عن العترة ثم يلجأون لشيء آخر خارج ما أمر به الله… أليس هذا تكرارا للمنهجية التي تحدَثنا عنها؟! بل أليس هذا نوع من الغباء بأن شخص ما يضعف دينه ويأخذ من دين عدوه؟! القرآن والعترة ليسا كافيان؟!
فالنتيجة: تقول بعض العمائم على سبيل المثال عن عائشة بأنها "أم المؤمنين" وهذا غدر بالإمام علي (عليه السلام) وخيانة لأنهم يعطونها الشرعية رغم ما قامت به… ويستدلون بالقرآن فقط - بالإفك - ويتركون الروايات التي توضح هي عن من.. ولا نريد أن نخوض خارج أصل الموضوع كثيرا ولكنها عن ماريا القبطية وليست عائشة! فهم فسَروها كما فسَرها الناصبة، بمنهجية "حسبنا كتاب الله"… لأنهم لا يأخذون بالروايات التي تثبت اسقاط لقب "أم المؤمنين" منها وطلاقها بل إما اضعفوها أو يتجالهونها! لذلك انتهوا بنفس النتيجة الضالة. لأن منهجيتهم انحرفت عن منهج "كتاب الله والعترة".
لذلك، عدم الأخذ بالقرآن والروايات معا يؤدي إلى تماما نفس النتيجة الشيطانية العمرية المعاوية الملجمية - نتيجة الغدر والكفر والضلال - وإن قالوا بأنهم شيعة وهم مع الإمام - فمن غدر بالإمام كان أيضا مع الإمام!
عن أبي الجارود، عن الإمام الباقر عليه السلام في رواية طويلة في وصف الإمام المهدي عليه السلام: "... ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفا من البترية شاكين في السلاح، قراء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرّحوا جباههم، وسمّروا ساماتهم، وعمّهم النفاق، وكلهم يقولون: يا بن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الإثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد". (دلائل الإمامة)
والكثير من العمائم وحتى اتباعهم اليوم تقول حسبنا الاجتهاد - حسبنا آراء المراجع - قول الإمام شيء وقول المرجع شيء - ناكرين الروايات حينما تكون صريحة بحكم شيء، يضعفون الروايات التي هي حجة عليهم ويأتون بالآراء والقياس بل وحتى أحكام أصلها أصل ناصبي عوضا عن الروايات - وغالبا لأنهم يضعفون روايات العترة فيسببون نقصا.. أو من جهلهم ببعض الروايات أو لأسباب سياسية ومصالح شخصية.
رغم أنهم يدَعون التشيع ومحبة الإمام إلا وأنهم سيحاربون القائم حينما يظهر! وإلا ما يفسر محاربتهم للإمام (عجل الله تعالى فرجه) حينما يظهر؟ ستة عشر ألف واحد! هل هو نزاع شخصي؟ أم سياسي متعلق بحدود دولة أم اقتصاد ومصادر نفطية وذهب وفضة؟ هل لأنهم اخذوا بالقرآن والعترة كما أمر النبي حتى لا يضلوا أم لأنهم لجأوا لما هو خارج عن ذلك؟! أم لسبب فسادهم وإنحرافهم؟ وكيف سينتهي بهم نتيجة كأمر ابن ملجم من القول بأنهم أتباع الإمام إلى محاربته؟ فلوا أرادوا ولهم القدرة لقتلوا الإمام ولكن يأبون! فلو كلهم أخذوا من القرآن والعترة لن يضلوا!!! وهذا ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله).. القرآن والعترة.. لا طريق آخر! لا بديل لأي من أحدهما!!! تماما كما حُصر الأمر عندما أمر الله إبليس أن يسجد، لم يكن أي سبيل سوا السجود لآدم!!! وكما عندما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بداة ليكتب وصية، لم يكن أي سبيل سوا أن يأتوا بداة!!! القرآن والعترة… أي سبيل آخر سيؤدي إلى الكفر والضلال!
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم تجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا وإلههم واحد، وكتابهم واحد، أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه ؟ أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه واله عن تبليغه وأدائه ؟ والله سبحانه يقول: ما فرطنا في الكتاب من شئ. وفيه تبيان كل شيء!!!
أهل البيت (صلوات الله عليهم) لم يتركوا الدين ناقصا! فهم حكموا وعلموا الناس الأحكام والموعظة وغيره - فمن يلجأ لغير الروايات ويجتهد ويقيس أو يأخذ من فلان وفلان ويستعين بدين الناصبة ليعوض عن جهله… فهذا باطل وضلال!!
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرفه يعبده هكذا ضلالا.
قيل له: جعلت فداك، فما معرفة الله؟
قال (عليه السلام): تصديق الله عز وجل، وتصديق رسوله ومولاة علي والإتمام به وبأئمة الهدى (عليهم السلام) والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم، هكذا يُعرف الله.
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عز وجل: ما آمن بي من فسَر برأيه كلامي، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من استعمل القياس في ديني.
عن عمار بن موسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: "من حكم برأيه بين اثنين فقد كفر، ومن فسر آية من كتاب الله فقد كفر"
واعلم أن الشجرة الملعونة زُرعت من قبل إبليس أولا ومن ثم ثمر منها بني عمر ثم الذين كانوا في صفوف الإمام علي (عليه السلام) في صفين ومن ثم ابن ملجم وغيرهم إلى البترية اليوم. كلهم تركوا الأصل وذهبوا وراء النفس والمسميات وأي شيء سوا ما أمر به الله تعالى - حينما قال النبي: القرآن والعترة.
إبليس قال حسبنا السجود لله - الأمر واضح: اسجد لآدم… ولكنه ذهب ليستبدل أمر الله بعبادة أخرى.
عمر قال حسبنا كتاب الله - الأمر واضح: احضر بداة للنبي (صلى الله عليه وآله)… ولكنه رفض. النبي قال: كتاب الله والعترة… ولكن عمر رفض واستبدل ذلك الأمر بالقرآن الصامت فقط. النبي قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه… ولكن عمر ذهب لسقيفة بني ساعدة ليستبدل الأمر.
في صفين قالوا حسبنا كتاب الله - الأمر واضح: اطيعوا وصي النبي القرآن الناطق… ولكنهم رفضوا واختاروا القرآن الصامت.
وابن ملجم أيضا كذلك.
الكثير من العمائم اليوم التي تقول حسبنا آراء واجتهاد المراجع سينتهي بهم نتيجة كنتيجة ابن ملجم وسيقومون ضد الإمام كما ذُكر. فابن ملجم كان أيضا مع الإمام وحافظا للقرآن ولكنه غدر حينما توقف عن طاعة الحجة التي عليه. وكذلك البترية والمتبدعة حينما يظهر الإمام سيقومون بأفعال مضادة للإمام - فهم أيضا يرفضون ما تقوله الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومن هنا يخرجون من طاعة الحجة.
وصل الأمر حتى لبعض المعممين بالقول أن الإمامة ليست من الأصول بل وجعلوها فرع للدين، فسحوا الطريق بجعل طريق الشيطان - طريق عمر بن الصهاك "حسبنا كتاب الله" طريق مقبول، من خلال التهاون بحديث الثقلين - القرآن والعترة، والتهاون مع غيره من الأحاديث التي بيَنت وثبَتت أن الإمامة أصل الدين والتهاون مع غدير خم! فهذا العمل من المعممين الذين يدَعون التشيع، غدر وخيانة أم ليس بغدر وخيانة للإمام؟ أتَبعوا القرآن والعترة أم استبدلوا أمر الله بشيء من أنفسهم؟!
كلها نتائج استبدال أمر الله بشيء آخر، ليس كما الله يريد… بل تماما كما إبليس يريد - تماما كما النفس تريد - نكران الحجة وعدم طاعة الحجة وهو الواسطة - الرابط بين العباد وربهم. فمنهم من قدَم العبادة على أمر الله ومنهم من قدَم القرآن على النبي وآل بيته بل ومنهم من قدَم الاجتهاد على قول الأئمة…
نسنتنج هنا، أن كل من غدر وخيانة كبرى حدثت للإمام علي (عليه السلام) من رزية الخميس وغدير خم - حينما عاند عمر وجحد وخالف كلام النبي (كتاب الله والعترة) واختار كتاب الله فقط - أي القرآن، وفي صفين - حينما قُدم القرآن الصامت على الإمام، القرآن الناطق، إلى استشهاد الإمام من قبل ابن ملجم (لعنة الله عليه) والذي كان حافظا للقرآن… وحتى بعد استشهاده، ما زال هناك من يغدر بالإمام رغم أنهم يقولون أنهم يحبون الإمام ولكنهم لا يأخذون بشيء من العترة ويقدمون القرآن فقط ولا يطيعون الأئمة المعصومين (عليهم السلام)…
فبالواقع، وإن أختلفت الوسيلة - أي إن كان الأخذ بالقرآن فقط أم غيره، ستضل النتيجة غدرا بالنبي والوصي وتؤدي إلى ضلال ولا سبيل هناك سوا القرآن والعترة معا - واتباع الدين من غير الحجة الواسطة الذي يرشد الناس ويعلمهم أمر محال!!! وكل طريق غير ذلك فهو كفر وضلال ونتيجته بئس المصير.
والحمدلله رب العالمين…
روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب في آخر جمعة من شهر شعبان وتحدث عن شهر رمضان وشرفه وثواب الطاعة فيه فقام إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل، ثم بكى (صلى الله عليه وآله).
قال له أمير المؤمنين: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: يا علي أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك، وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة صالح فيضربك ضربة على مفرق رأسك، ويشقه نصفين ويخضّب لحيتك من دم رأسك.
وهو في صلاته في مسجد الكوفة، أتى اللعين ابن ملجم وضربه بسيف مسموم على رأسه وتلطخت عمامته وشيبته بدمائه الطاهرة… وبعدها في يومين استشهد إمامنا مولانا أمير المؤمنين آية الله العظمى، فارقنا الإمام أثر جراحه والسم… لعن الله قتلة أمير المؤمنين وعلى كل من دبَر قتله وعلى الملعونة بنت الملعون التي سجدت شكرا بعد سماع خبر استشهاده…
الأمر كله يدور على السجود: سجدت الملائكة فسلكت طريق الطاعة، وأبى إبليس واستكبر فبدأ طريق الضلال وسلك هذا الطريق وورث هذا المنهج الضالون من بعده. ومع مرور الزمن حتى وصل الأمر في مسجد الكوفة فالتاسع عشر من شهر رمضان.. بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وأشقى الأولين والآخرين ابن ملجم (لعنة الله عليه)… أمير المؤمنين سجد لله طاعة.. إلا بن ملجم فأبى واستكبر… وهكذا أمتد الغدر ونكران النور الإلهي عبر الزمان…
فاز أمير المؤمنين (عليه السلام) ورب الكعبة، فاز وفازت شيعته التي أخذت بالقرآن والعترة، وخسر الضالون الذين كفروا الذين أخذوا بالقرآن الصامت وتركوا القرآن الناطق.
عظَم الله أجرك يا مولانا صاحب الأمر والزمان… وعظَم الله أجور المؤمنين والمؤمنات… إنا لله وإنا إليه راجعون.
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على دينه، أن يثبتنا على خط القرآن والعترة.. ويتقبل منا صالح أعمالنا ويجعلنا من أنصار القائم.. رحم الله من قرأ الفاتحة لأرواح الشهداء والمؤمنين والمؤمنات، والدعاء لجميع المرضى والجرحى والمستعصيين وإفراج غم المهمومين. ولا تنسونا من خالص دعائكم لعلَكم أقرب إلى الله منزلة، مع الصلوات على محمد وآل محمد.
الأربعاء، ٢١ رمضان ١٤٤٧ هـ - ١١ آذار ٢٠٢٦ م
العزة لله
— عباس (رايدرو)، قائد نيو وورلد اوردر ٣١٣


الصفحة هذي ماخذة اقل من حقها
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نسأل الله أن يهديك ويصلح حالك ويردك الى الحق المبين. اذن عمر كفر اه هه الله المستعان