ذكرى استشهاد السيدة زينب | رفعة يد في وجه الباطل ٤
هي زينب بنت علي ابن أبي طالب أسد الله الغالب، هي زينب بنت حيدر قالع باب خيبر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد للَّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.
عندما حضن الرسول (صلّى الله عليه وآله) السيدة زينب (عليها السلام) بعد ولادتها بكى بكاء شديداً فقالت سيدة نساء العالمين الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام):
"ممّ بكائك لا أبكى الله عينك يا أبتاه؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): يا بنية يا فاطمة اعلمي أنّ هذه البنت بعدك وبعدي تُبتلى ببلايا فادحة... إن من بكى عليها وعلى مصابها كان ثواب بكائه كثواب من بكى على أخويها." - الخصائص الزينبية، ص ٣٣
بكل أحزان، نقدَم تعازينا للمؤمنين والمؤمنات في هذا اليوم وهو ذكرى استشهاد عقيلة بني هاشم، أم المصائب، السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام).
سُميت السيدة زينب (عليها السلام) بـ"أم المصائب" لما مر بها من المصائب إبتداءا وهي كانت بالخامسة من عمرها حينما استشهد جدها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ثم استشهدت أمها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وقد سبق ذلك إسقاط جنينها المحسن، ثم استشهد أبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم أخوانها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وسيد الشهداء الإمام الحسين وأبا الفضل العباس (عليهما السلام) في واقعة الطف في يوم عاشوراء وسبيها من كربلاء إلى الكوفة ثم من الكوفة إلى الشام من قبل بني أمية (لعنة الله عليهم).
عندما نذكُر السيدة زينب (عليها السلام)، هناك طرف يتصورها وكأنَها مجرد إحدى نساء أهل البيت (عليهم السلام) التي حزنت وبكت ولطمت في يوم عاشوراء.. وهناك طرف آخر يتصورها كأنها مجرد نموذج للستر والعفة فقط - كمثالٍ للملبس المثالي للنساء كالعباءة فقط لا أكثر.. كلا النظرتين تظلمان هذه الشخصية العظيمة بهذه النظرة المُقصرة السطحية المحدودة ولا يُعطيانها حقَها بتلك النظرة… فهناك جانبٌ أعظم بكثير يستحق الحديث عنه بالتفصيل - فهي شخصية عظيمة يتعلم منها رجالٌ ونساءٌ!
السيدة زينب (عليها السلام) لها مكانة رفيعة وهي تُعد من أفضل النساء كما ذُكرت ومُدحت من قبل أخيها سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وابن أخيها الحسين، وهو الإمام علي بن الحسين، زين العابدين، السجَاد (عليه السلام) ممَا يبين مكانتها الرفيعة العظيمة - وبالأخص - بكاء الرسول الأعظم سيد النبيين محمد (صلى الله عليه وآله) عليها ونزول دموعه الكريمة العزيزة عند ولادتها بما سيجري عليها من مصائب. وهذا من أقوى الإثباتات والإشارات التي أكَدت على عظمة ومكانة وقدسية السيدة زينب (عليها السلام).
السيدة زينب (عليها السلام) لم تكن مجرد إمرأة من أهل البيت (عليهم السلام) فقط - مكانتها لا تنبع فقط من إنتمائها لأهل البيت - نعم، هي إبنة علي (عليه السلام)، قالع باب خيبر، إبنة قسيم الجنة والنار وجدها سيد النبيين (صلى الله عليه وآله).. ولكن ما جعل السيدة زينب (عليها السلام) ذات عظمة ومكانة ومنزلة وغير ذلك، هو مواقفها البارزة لصمدوها ولثباتها ولشجاعتها ولاصرارها ولعزيمتها التي لم تنكسر ولجهدها في نصرة الدين لمواصلة الثورة الحسينية حتى بعد استشهاد أخيها سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) في معركة الطف - هي لم تحمل سلاحا في مواجهتها ضد الكفر والطغيان وتصديها للعدو الأموي اللعين الذي حاول محو الرسالة وتحريف السردية - بل حملت القول بالحق عند سلطان جائر بخطاب أدبي بليغ تصدَت به العدو الذي حاول تزييف الواقع وإضعاف الروح الثورية الحسينية - وبهذا، أحيت بها الثورة الحسينية وحفظت الثورة الحسينية على مدى التاريخ من خلال جهادها التبييني القائم على قول الحق عند سلطان جائر.
أم المصائب.. ابنة أسد الله الغالب
هي زينب بنت علي ابن أبي طالب
عندما نقول أم المصائب - لا يجب على أحد أن يفهمها وكأنها مجرد إمرأة ظُلمت وعانت وبكت وحزنت ولطمت وتوفيت من بعد كل هذه الآلام والمصائب… نعم، ما شهدته من المصائب كان مفجعا للقلوب بلا أي شك - إبتداءا من وهي كانت بالخامسة من عمرها حينما استشهد جدها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ثم استشهدت أمها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وقد سبق ذلك إسقاط جنينها المحسن، ثم استشهد أبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم أخوانها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وسيد الشهداء الإمام الحسين وأبا الفضل العباس وعثمان وعبدالله وجعفر (عليهم السلام) وابن أخيها القاسم بن الحسن (عليه السلام) وعلي الأكبر (عليه السلام) والطفل الرضيع عبدالله بن الحسين (عليه السلام) وحتى أبناها عون ومحمد في واقعة الطف… ومع كل هذا من معاناة السبي والسير تحت الشمس الحارقة على الأقدام من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام في عشرة أيام - والعطش والجوع بعد المصيبة - ولكن كم منا ينظر للجانب الآخر… لجانب "ما رأيت إلا جميلا"؟
رغم كل ما جرى عليها وهي كانت بالخامس من عمرها إلى أن استشهدت.. تلك المصائب من فقدان الأحبة وتأثيرها على النفسية وحتى جسديا - المعاناة من السبي في تلك الظروف الصعبة والجوع والعطش والسير على الأقدام من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام بعشرة أيام متواصلة ليلا ونهارا وأيضا تحت الشمس الحارقة… لم تنكسر عزيمتها واصرارها - فما جرى عليها لا يُمكن أن يطيقه أي إنسان وحتى علماء النفس يضعون حدا لقدرة الإنسان على التحمل ولو سُؤلوا ماذا سيحدث من تغيير لشخص عانى مثل هذا وبالأخص لو كانت إمرأة - أو حتى مثلا ربع ما جرى على السيدة زينب (عليها السلام) لقالوا مستحيل هذا الشخص أو بالأخص المرأة ستكون خالية من الأضرار التي ستمنعها من مواصلة حياتها اليومية وبشكل طبيعي - سيكون الضرر شديد على الشخص من تراكم الصدمات النفسية والأضرار الجسدية… ولكن نحن هنا نتحدث عن السيدة زينب (عليها السلام).. ليست أي إمرأة، هي تحمَلت كل هذا وضلَت ثابتة وصامدة.. بل قالت "ما رأيت إلا جميلا".
والأعظم من ذلك، السيدة زينب (عليها السلام) لم تتحمل كل هذه المصائب سلباً! هي لم تكن إمرأة ضعيفة ولم تضل مكتَفة الأيادي - بعد كل هذه المصائب، ما توقَعه العدو الأموي اللعين أن ثورة الحسين (عليه السلام) أنتهت والروح الثورية أنتهت… ولكن رغم كل ما حدث، كان لها دور فعَال في مواجهة العدو فالناحية السردية بالخطابات الأدبية البليغة التي قامت بها. هذه هي تربية ومدرسة علي ابن أبي طالب (عليه السلام).. لا تنسوا هي إبنة من!
"ما رأيت إلا جميلا" هذه العبارة لم تُقال عبثا أو لتهدئة نفسها.. ولم تكن مجرد ردا بعد أن أساء إليها وتشمَت بها يزيد بن معاوية (لعنة الله عليه) - بل قيلت هذه العبارة لتذكير العدو الأموي اللعين في وسط قصره فالشام بعد السبي عن صمودها وعزيمتها التي لم تنكسر - هذه العبارة تبين مدى الإيمان الراسخ وإخلاصها تجاه مواصلة حمل الرسالة لحفظ الثورة الحسينية - رغم الشدة، لم يكن هناك أي يأس من رحمة الله ولا ضعف.. هذه العبارة كانت تذكيرا للعدو اللعين هي بنت من! هي زينب بنت علي ابن أبي طالب أسد الله الغالب، هي زينب بنت حيدر قالع باب خيبر.
بعض من ما قالته السيدة زينب (عليها السلام) ليزيد فالشام بعد شماتته لما فعل برأس الحسين (عليه السلام):
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى جَدِّي سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، صَدَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ
أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حِينَ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ، وَضَيَّقْتَ عَلَيْنَا آفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا لَكَ فِي إِسَارٍ، نُسَاقُ إِلَيْكَ سَوْقاً فِي قِطَارٍ، وَأَنْتَ عَلَيْنَا ذُو اقْتِدَارٍ، أَنَّ بِنَا مِنَ اللَّهِ هَوَاناً وَعَلَيْكَ مِنْهُ كَرَامَةً وَامْتِنَاناً؟ وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ وَجَلَالَةِ قَدْرِكَ؟؟ فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ فِي عِطْفٍ، تَضْرِبُ أَصْدَرَيْكَ فَرِحاً وَتَنْفُضُ مِدْرَوَيْكَ مَرِحاً حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً وَالْأُمُورَ لَدَيْكَ مُتَّسِقَةً وَحِينَ صَفِيَ لَكَ مُلْكُنَا وَخَلَصَ لَكَ سُلْطَانُنَا.
صمود السيدة زينب (عليها السلام) يعيد لنا تعريف الصبر… صمودها يعلمنا معنى الصبر - وهو أن يكون لنا إيمان راسخ ونتحمَل وفي نفس الوقت أن نواصل حتى لو كانت الظروف قاسية - لا نيأس ولا نستسلم ولا نضعف ولا نتعب…
وبذلك، ضربت السيدة زينب (عليها السلام) مثالاً خالداً وكاملاً في الصبر والتحمل والثبات والرضا بما يأتي الله سبحانه وتعالى به - والاصرار والعزيمة والشجاعة والوفاء.. استمدَت كل هذا من إيمانها بالله تعالى. {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ}. ما تحملته السيدة زينب (عليها السلام) لا يتحمله أحد! هذا كان مستوى صمودها وقوتها وتحملها!
ودورها لم يكن سلباً بالتحمل والصبر فقط، وإنما لها دور نشط وفعَال. ما قامت به السيدة زينب (عليها السلام) هو مقاومة - لغويا واصطلاحيا.. أي تحمَلت وواصلت وواجهت وتصدَت للعدو. بهذا، تذكرنا أن المقاومة لا تخلو من المشقة والمقاومة تتطلَب إيمان وإرادة - كما سيُذكر فالجزئية القادمة.
المقاومة الزينبية
الجهاد من خلال التبيين والسردية
معركة الطف التي أدَت إلى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) سبَبت صدمة سياسية واجتماعية للأمة. لذلك، كأي دولة فاسدة حينما ترتكب الجرائم وتقوم بالظلم والطغيان..اتَخذت السلطة الأموية بقيادة يزيد وحاشيته (لعنة الله عليهم) مجموعة من الإجراءات بهدف تحسين الصورة - اقناع الأمة بأن هذا كان عمل صحيح.. فما قام به من عمل هو رفع المعنويات لبني أمية ورفع الروح القومية ولرفع أي تشكيك عن ما قاموا به من جريمة.. أخذ هذا الزنديق يزيد بن معاوية (لعنة الله عليه) بالتفاخر بجريمته ويتباهى بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال إلقاء أبيات شعرية.
أبيات شعر يزيد بن معاوية لعنة الله عليه وهو يتفاخر بجريمته عندما قدَموا إليه رأس الحسين (عليه السلام)
ليت أشياخي ببدر شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ من وَقْعِ الأَسَلْ
قد قَتَلْنا القَرْمَ من سَادَاتِكُمْ وَعَدَلْنَا مَيْلَ بدر فَاعْتَدَلْ
فأَهَلُّوا واستهلُّوا فَرَحاً ثمَّ قالوا يا يزيدُ لاَ تُشَلْ
لَسْتُ من خندفَ إِنْ لم أَنْتَقِمْ من بني أَحْمَدَ مَا كَانَ فَعَلْ
لَعِبَتْ هاشمُ بالملكِ فلا خبرٌ جاء ولا وَحْىٌ نَزَلْ
جواهر التاريخ - الشيخ علي الكوراني العاملي - ج ٣ - الصفحة ٤٢٤
ومثال آخر - ما قبل أن تصل إلى الشام، في مجلس عبيد الله ابن زياد (لعنة الله عليه) فالكوفة، تشمَت بها بعد مقتل الحسين (عليه السلام) وقال لسيدة زينب (عليها السلام) وللسبايا:
"الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذَبَ أحدوثتكم."
فقالت زينب (عليها السلام): "الحمد لله الذي أكرَمَنا بنبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وطهّرنا من الرجس تطهيراً، وإنّما يُفتضح الفاسقُ ويُكذَّب الفاجرُ، وهو غيرُنا والحمد لله."
مع العلم.. هذا الملعون يتحدَث بهذا الأسلوب مع من تكون جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكيف يتفاخر بقتل الحسين (عليه السلام) الذي قال عنه الرسول: "الحسين مني وأنا من الحسين.. أحب الله من أحب حسينا!"….
هنا نرى مدى جرأة ووقاحة وقباحة بني أمية بكفرهم والتمادي على آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) بأبشع أنواعه بعد جرائمهم… ولكن الأمر أكثر من ذلك، فهناك منظور آخر… الشماتة والتفاخر كلها كانت بهدف، أولا لرفع معنويات بني أمية ورفع الشعور القومي فيما بينهم ودفع أي تشكيك بما حدث لتلميع ما فعلوا من حيث جعله مصدر فخر وإنجاز قومي للدولة - وكأنما الإمام الحسين (عليه السلام) ومن كان معه كمتمردين أرادوا زعزعة البلاد وأقفوا هذا الشيء - فهم أرادوا تقليل من مكانة أهل البيت (عليهم السلام)… وأيضا كأنما لهم تأييد إلهي كما قال الملعون بن زياد حتى يبينون أن الحق معهم وحتى يُعلى صوتهم بالتكابر بسلطتهم - و ثانيا، هو لإضعاف معنويات المقابل والتأثير على روحانية المقابل - لبث روح الهزيمة واليأس والإستسلام. فما قاموا به كان بهدف رفع معنوياتهم وخفض وإضعاف معنويات المقابل فالوقت نفسه.
كأي سلطة مجرمة لتسيطر على الرأي العام - بعد مقتل الحسين (عليه السلام) بني أمية أستمرت بالتشديد في فرض سلطتها على الناس بحيث من يتكلم وينتقد ويدافع عن الإمام وآل بيت النبي (عليهم السلام)، يعاني من عقوبات من ضمنها السجن - لذلك كانت إمامة زين العابدين (عليه السلام) مرحلة جدا حساسة بعد الحادثة لأنها كانت مرحلة تنقل من المقاومة العسكرية إلى مقاومة فكرية عقائدية - ليست مبنية على السيف بل على الدفاع عن العقيدة والحفاظ على الدين المحمدي الأصيل والحفاظ على دماء الشيعة. فالعدو اللعين - كأي دولة ظالمة تخشى الثورات واستمراريتها - من البديهي أن يشددوا على الناس من حيث لا تحدث ثورة مرة أخرى كثورة الحسين (عليه السلام) لحفظ سلطانهم. فبإعتبار تلك الأزمة التي كان يعيشها الشيعة بعد معركة الطف ومع إجراءات بني أمية تجاه السردية.. كلها كانت عوامل تصب في تحريف السردية بحيث أن تقل فظاعتها… بأن هناك صوت يُعلى ويصبح الرأي العام حيث ليس هناك تصدي وصوت يُسكت ويُنسى… هذا ما سعى له العدو الأموي اللعين.
والجدير بالذكر… بني أمية لها تاريخ معروف بمخالفة دين الله وتحريف سنة النبي (صلى الله عليه وآله) - فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أولُ ما يُغَيِّرُ سُنَّتِي رجلٌ من بني أُمَيَّةَ"… وهذا الحديث موجود فالبخاري وبإسناد حسن.. فإذا هناك إثباتات تاريخية واضحة تقر وتثبت تحريفهم لسنة النبي (صلى الله عليه وآله) رغم قدسيتها - فكيف لن يوقوموا بذلك - من تحريف الواقع للمكاسب والمنافع السياسية والتمادي أكثر والقيام بإجراءات تلميع صورتهم وتزييف السردية لصالحهم حينما تزعزعت صورتهم بعد مقتل الحسين (عليه السلام)؟ فهم لم يعرفوا أي حدود - فهم قتلوا سبط النبي، حفيد النبي، لم يكن لهم حدود. فكل هذه الأمور لها تأثير على السردية…
ولكن كما ذُكر، لكل شكل من الظلم مقاومة مماثلة بالشكل، يقول المؤرخون عن السيدة زينب (عليها السلام) بأن في خطاباتها أخذت تُبين فضل الإمام الحسين (عليه السلام) ومكانته وقربته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قالت:
"بأبي مَن جدّه محمد المصطفى، بأبي مَن جدّه رسول إله السماء، بأبي مَن هو سبط نبي الهدى، بأبي[ابن] محمد المصطفى، بأبي [ابن] خديجة الكبرى، بأبي [ابن] علي المرتضـى، بأبي [ابن] فاطمة الزهراء سيدة النساء، بأبي [ابن] مَن رُدّت له الشمس وصلّى."
وبذلك، فإن ما قامت به السيدة زينب (عليها السلام) من خلال خطاباتها هو مقاومة إعلامية مبنية على التبيين والسردية. ويمكننا تلخيص جهاد السيدة زينب (عليها السلام) في مسارين واضحين ومتكاملين:
أولا، منعت الصوت الأموي من أن يكون الصوت الوحيد المفروض على الأمة. تصدّت له بشكل مباشر - قول الحق في وجه سلطان جائر، لم تسمح بأن يُعلى الصوت الأموي اللعين على صوت الحق - على صوت الثورة الحسينية. ورفضت أن يتحول الخطاب الأموي اللعين إلى السردية السائدة أو الرواية الافتراضية التي تُقدَّم للناس بلا مواجهة أو محاسبة - فهي كانت رادع للصوت الأموي اللعين.
ثانيا، قامت بإظهار وبيان فضائل الإمام الحسين (عليه السلام) ومكانته وقربته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومكانة آل البيت (عليهم السلام) وكيف أن الله كرَمهم - بيَنت أن آل بيت النبي (عليهم السلام) هم أهل الإسلام والإيمان - بينما بني أمية تبين أنهم هم أهل الدنيا والعروش والطغيان والكفران بالإسلام. وبهذا الجهد الإعلامي، كشفت عمق الجريمة بحق النبي وآل البيت (عليهم السلام) وحقيقتها، وأظهرت مدى كفر بني أمية. فهم لم يكتفوا بقتل الإمام، بل سعوا إلى تبسيط الجريمة، والتقليل من فظاعتها، وطمس قبحها، بل وصل بهم الأمر إلى التَفاخر بها وكأنها إنجاز قومي. فبيّنت السيدة زينب (عليها السلام) بوضوح أنهم يتفاخرون بقتل من، ومن هو الحسين (عليه السلام) التي أمه بنت رسول الله سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأبيه الإمام علي (عليه السلام). وفي الوقت نفسه، قدّمت صورة الإسلام المحمدي الأصيل كما هو، إسلام الإيمان والثبات والعزيمة والكرامة. وبالمقابل، كشفت جاهلية العدو الأموي، وكفره وعناده، وبعده الحقيقي عن الإسلام.
فهناك كان تصدي وتبيين - لم تدع الباطل يضل دون رادع - جعلت الحق واضح بالبيان - أبرزت الحق من الباطل وأفشلت العدو بإعلامها.
وأعلم، أن لفظة "الجهاد التبييني" هي لفظة مستحدثة، ولكن مفهوم هذه اللفظة ليس مستحدث وإنما المراد به هو وصف الدور في مواجهة الباطل والطغاة بقول كلمة الحق - وللتمييز بين هذا الجهاد والجهاد الميداني المتعلق بالحروب. تذكَر أن الجهاد التبييني للسيدة زينب (عليها السلام) ليس أمرا استحدثته هي، بل هو النهج الأول والأساس لكل الأنبياء والرسل وحتى الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) في مواجهة الاستكبار والطغيان لنصرة الدين وإظهار الحق بالحجة والبيان - وهو أيضا نهج قائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فالأنبياء أمروا بالمعروف في طاعة الله ونهوا عن منكر الطغاة والضلال.
وأعلم، أن السيدة الزينب (عليها السلام) لم تكن مبادرة فردية وحدها وإنما جهدها وقيامها للحجة في خطبها امتدادا مباشرا لوظيفة إمام زمانها، الإمام السجاد (عليه السلام) وهو الذي أقرّ لها بذلك! فهي سارت على تعاليم مماثلة بإقرار الإمام.
فمنذ بعثة الأنبياء والرسل، كان التبيين هو الجهاد الأساسي {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}. ثم استمر هذا النهج إلى جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتكرّس بعده مع أبيها الإمام علي (عليه السلام). وعلى هذا الامتداد الرسالي والتربوي، سارت السيدة زينب (عليها السلام)، فكان جهادها في التبيين ونهجها امتدادا من مهام أخويها الحسن والحسين (عليهما السلام) الذي يعود لأبيها الإمام علي (عليه السلام) الذي يعود لرسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)… بنفس البسالة والشجاعة والحمية والغيرة والإخلاص نصرة للدين - فتبيينها كتبيين محمد وكتبيين علي وكتبيين الحسن والحسين (عليهم أفضل الصلاة والسلام).
"فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المناد ألا لعنة الله على الظالمين."
فكانت السيدة زينب (عليها السلام) نقمة على بني أمية - فكلما حاولوا أن يضعفوا الروحية والاستهزاء وتقليل من مكانة أهل البيت (عليهم السلام)، تلقوا ردود صارمة وشديدة بيَنت كفرهم وحقارتهم وأظهرت الحق من خلال تبيينها - من خلال قول الحق. هكذا كان موقف السيدة زينب (عليها السلام)، موقفها أحيى الثورة الحسينية حتى بعد معركة الطف وجعلت للثورة الحسينية امتدادا من كربلاء إلى الشام. السيدة زينب (عليها السلام) وضعت نموذجا كاملا متماثلا لمن لا يملك إلا الصوت والإعلام - الإعلام كان مضاد للاستكبار والطغاة والوقت نفسه إعلام تبييني - بيَنت فضائل أهل البيت (عليهم السلام) - بيَنت الحق - بيَنت الإسلام المحمَدي الأصيل - أبرزت الحق وأظهرت كفر ونفاق وفساد وطغيان العدو.
ما قامت به، هو مقاومة. ويمكننا أن نقول: المقاومة هو التحمل والمواجهة المستمرة.. الصمود والتصدي المستمر بكل عزيمة وإصرار وثبات. التحمل ينبع من الإيمان، من الصبر.. والمواجهة، تأتي بقول الحق، تبيين الحق.. بالحجة والبيان والبرهان.
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} - صدق الله العلي العظيم - التوبة ٧١
📍 اجعل إعلامك الرسالي زينبيا - مناصرا لإمام زمانك وامتدادا للثورة الحسينية
🔸 تخيل لو أننا لم نبذل جهدًا في إعلام الناس بالأحداث الجارية والسياق المهم، ولم نكلف أنفسنا بدحض أكاذيب العدو من خلال التبيين وتدوين الحقائق، بينما العدو يرتكب أفظع الجرائم بحق الأبرياء والمستضعفين… ولكن ليس هناك من يدون ما يجري، وفي الوقت نفسه يكذب العدو بنشاط وبكل جهد عن الأحداث، ويطمس الحقائق ويبالغ ويضلل الناس لمصالحه ونفوذه - كيف سيكون الوضع عندما يبحث الناس بعد سنوات عن أحداث اليوم ولا يجدون سوى رواية العدو وأكاذيبه؟
فهنا نرى أن الإعلام له دور فعَال - له دور عظيم لتربية الأجيال على المنهج وترسيخ الوعي والفكر وتقوية والحفاظ على العقيدة ومنه تتكون الأجيال التي تنهض وتتصدى للطغاة وجرائمهم.
وأعلم، الباطل والطغاة ليس بشرط تتم محاربتهم بالسيف فقط - العدو اليوم مُعظم حروبه إعلامية من خلال السردية وتزييف الحقائق واستهداف العقيدة لتضعيفها. فلذلك، كل من له صوت وقلم ومنصة إعلامية فليساهم في هذه القضية - قضية ثورة الحسين (عليه السلام) - من خلال التدوين والتبيين والتوضيح ورد الشُبهات - فلنكن هادفين كإعلاميين وكنشطاء وكمؤثرين.
والحروب التي تُشن اليوم، دائما تسبقها الحروب الفكرية - والحروب الفكرية هي الممهدة للحروب الميدانية العسكرية. فلا يجب أن تُنتقص من أهمية الجهاد التبييني الإعلامي فإنه جزء يتكامل مع المقاومة العسكرية - بل هو امتداده - المقاومة العسكرية هي التجسيد للعقيدة والفكر والوعي وإن ذهبت العقيدة والفكر والوعي فلا وجودة للمقاومة العسكرية.
وأعلم، إننا اليوم في زمن الغيبة هو الزمن الذي تجب فيه بناء العقيدة المتماسكة والوعي والفكر الذي بإذن الله سيتجسد في زمن ظهور إمام زماننا المهدي (عجَل الله فرجه) - فهذه سُنَة المقاومة. من العقيدة إلى التجسيد لها، إلى الشكل العسكري.
🔸 كما وضَحنا سابقا، فإن المقاومة لها أساسيات.. وتُعرَف المقاومة وأساسياتها بالتالي: المقاومة هو التحمل والمواجهة المستمرة.. الصمود والتصدي المستمر بكل عزيمة وإصرار وثبات. التحمل ينبع من الإيمان والعقيدة، من الصبر والرضا بما قسمه الله.. والمواجهة، تأتي بقول الحق، تبيين الحق - الحجة والبيان والبرهان. فلا بُد أن يكون هناك تلقي أو استقبال ثُم إرسال… التحمل، أي تحمل ما يقوم به العدو والقدرة على الصمود والصبر والثبات - عدم التزعزع روحانيا ونفسيا وفكريا (استقبال) وهو أمر نفسي داخلي… والمواجهة والرد والتصدي لهذا العدو (إرسال) وهو أمر خارجي. والعلاقة هي علاقة إلزامية بحيث لا يمكن أن تكون هناك مقاومة بلا أساسيات الاستقبال (كالصبر والثبات والصمود) بينما هناك الإرسال وأساسياته (المواجهة والرد والتصدي)… والعكس كذلك، فإن هاتين الأساسيات يجب أن تكونان حاضرتان فالوقت نفسه حتى تكون هناك مقاومة.
فهل يمكن أن تكون هناك مقاومة عسكرية قادرة على الهجوم (إرسال) فقط وغير قادرة على الدفاع (استقبال) - مثلا أن تكون حاملة أسلحة ولكن بلا حماية ودرع وأنظمة دفاعية؟ وهل يمكن أن تكون هناك مقاومة عسكرية لها قدرات دفاعية فقط (استقبال) وبلا قدرات هجومية (إرسال)؟
فالعقيدة والإيمان والصبر والصمود والثبات والرضا بما يقدره الله هو بمثابة تلك الأنظمة الدفاعية فالميادين… والتصدي والرد والمواجهة هو بمثابة تلك القدرات الهجومية والسلاح فالميادين. لذلك، كلا الأساسيات ضروريتان.
السيدة زينب (عليها السلام) تحمَلت الظلم وصبرت على المصائب وتلقَت هجمات إعلامية باطلة وإفتراءات من قبل العدو الأموي اللعين.. ولكنها صمدت وضلت ثابتة ولم تعترض على الله ولم تظهر أي ضعف - وواجهت وتصدَت هذا العدو من خلال الخطابات البليغة الهادفة.
🔸 فكذلك الجهاد التبييني، يتطلَب أساسيات… من الجدير بالذكر وأن نعيد ونكرر - ليكون هناك مشروع لجهاد قائم على التبيين.. أولا وقبل كل شيء.. أن يكون العمل بنية وهدف تقربا إلى الله تعالى - وخدمة إمام زماننا المهدي (عجل الله فرجه).
والقاعدة الأولى والأولى والأصل: أن يكون منهج أي مشروع عقائديا وفكريا وثقافيا خاضعا لأمر الله - مبنيا على القيم والمبادئ الإسلامية! بما أن الإسلام هو جوهر هذا الوجود والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو محور هذا الإسلام وأساس الأساس وأهل البيت (عليهم السلام) هم معدن الرسالة وحبل النجاة والعروى الوثقى - أن نوالي من والاهم ونعادي من عاداهم - البراءة التامة من أعدائهم من الأولين والآخرين - الأحياء منهم والأموات. فإذا لا بد أن نستمد أعمالنا ومنهجنا من القيم والمبادئ الإسلامية حتى يكون عملنا صحيح ومقبول عند الله تعالى وخالي من الضلال - لا نلجأ للعقائد والمناهج الموضعية البشرية المنحرفة. لأن من أهم الطرق لحصان النفس من الفتن والإنحراف والإنجرار فالتيارات الزائفة - وأن نضمن قدر الإمكان أن نكون من أنصار القائم هو من خلال تكوين جدار عقائدي فكري ثقافي متماسك، يحمي من الأفكار الضالة والتشكيكات الباطلة للوقاية من الضياع والهلاك والإنغماس في الأمور الدنيوية التي تضلنا وتبعدنا من الله تعالى.
فأما للاستقبال: هو أن يُستمد الصبر والعزيمة والثبات والرضا بما يقدره الله والتحمل كله نابع من العقيدة الإسلامية - الإيمان بالله - باتباع القرآن الكريم والعترة. فهذا يشكل دفاعا نفسيا وأيضا حماية ووقاية من التعثر والتخبط… لأن العدو يسعى لإضعاف النفس والروحية والمعنويات ونشر وزرع الروح الإنهزامية - فلا بد أن يكون هناك وقاية لتلقي الهجمات والافتراءات والدعايات و وحملات تشويه وما شابه. هذه الجهة ليست حالة سلبية أو غض الطرف على ما يجري والتجاهل والسكوت ونسميه "تحمل"، وإنما قدرة على امتصاص تلك الضغوطات والصدمات دون الانكسار أو الانجرار خلفها. فهكذا تحمَلت السيدة زينب (عليها السلام) ولم تنكسر - فكانت لها قدرة عالية وراسخة لتلقي محاولات العدو لإضعافها ووقف الثورة الحسينية وتحريف السردية… ومن أين هذا الثبات نابع؟ من التمسك بالعقيدة.. من القرآن الكريم والعترة… فهي كانت تستند بالآيات الشريفة وسنة جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونهج أبيها أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام).
وللإرسال: هو أن يكون التبيين والتوضيح والتدوين والمواجهة والرد والتصدي والخطاب أيضا نابع من العقيدة.. من الإيمان بالله - باتباع القرآن الكريم والعترة - القيام بالبيان والحجة. هذا يشكل سلاح يُستخدم للمواجهة - فللإعلام التبييني يكون بالإخبار والتوضيح - يكون الإعلام مُضادا للسردية المُضللة من خلال تبيين الحقائق التي يحاول أن يطمسها ويحرفها العدو بالدليل والقرآن والسنة والبرهان - وفالوقت نفسه تدوين الحقائق - لأن التدوين يُثبت ويحفظ الحقيقة ويمنع ضياعها مع مرور الزمن وتُستحضر كلما حاول العدو تزييف الحقائق - فالتدوين يجعل المعلومات ثابتة وتلك المعلومات والحقائق الهامة تشكل مرجعا يُعتمد عليها. ما قامت به السيدة زينب (عليها السلام) هو تبيين مقام سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) ردا على العدو لأنه كان يستهزء ويستخف بجريمته - وتلك المحاولة من العدو كانت قائمة لتقليل مكانة الإمام (سلام الله عليه) ورفع وتلميع صورتهم بأن سرديتهم تكون الأعلى وأنهم على حق… فالسيدة زينب (عليها السلام) بيَنت مدى كفرهم - وأيضا دوَنت وحفظت الواقعة في الوعي العام.
هكذا كانت السيدة زينب (عليها السلام)، كانت هادفة بما خطبت وألقت. كإعلاميين.. يجب علينا أن نسير على هذا المنهج والنموذج. وأن ندرك أن مسؤولية الإعلام ليست نقل الخبر فقط، بل حمل الأمانة وحفظها. لا ينبغي أن نكتفي بجانب واحد أو بُعد واحد في جهودنا، بل علينا التوسع فيما نقوم به - أن يكون هناك بُعد ديني سياسي وحتى اجتماعي وعقائدي حينما يكون هناك الإمكانية من ذلك. أن يكون جهدنا يشمل أحداث اليوم ونوضح أيضًا مكانة أهل البيت (عليهم السلام) ونرد على الشبهات دفاعا عنهم. فالتوضيح والتذكير بمكانة أهل البيت (عليهم السلام) كان جوهر رسالتها، فلم تخلُ أي كلمة من خطاباتها من تبيين مكانة أهل البيت (عليهم السلام).
فأنت إذا أردت أن تقول إن إعلامك جهاد تبييني، أي على نهج السيدة زينب (عليها السلام)، فهل إعلامك امتدادا للثورة الحسينية؟ هل أنت مُدافع عن أهل البيت (عليهم السلام)؟ هل تحيي ذكرهم؟ هل تظهر فرحك لفرحهم وتظهر الحزن في يوم استشهادهم؟ هل إعلامك له جهد قائم على الدفاع عن أهل البيت (عليهم السلام) ورد الشبهات عنهم وتبيين مكانتهم وفضائلهم وتتحدَث عن مظلوميتهم؟ إعلام السيدة زينب (عليها السلام) كان متمحورا على نصرة الدين - كان قائما على الدفاع عن آل البيت (عليهم السلام).
فالإرسال، يكون مستمدا من العقيدة - الإرسال يكون داعيا لله - داعيا لإمام الزمان (عجَل الله فرجه) كأساس وأولوية - وليس داعيا للنفس أو لدولة أو لحزب أو لفلان وفلان - لا إشكال في نصرة المؤمنين بل هذا أيضا واجب ومن ضمن المنهج، ولكن الأولى والأساس هي أن تكون الدعوة بشكل عام بهذه النية والصورة - وهي الدعوة إلى الإمام المهدي (عجَل الله فرجه) - دعوة خالصة لنصرة الدين.
فهل إعلامك إمتدادا للثورة الحسينية؟ هل إعلامك يدعو لإمام زمانك؟ أم يدعو لغير ذلك - يدعو للأمور الدنيوية؟ إعلام السيدة زينب (عليها السلام) كان مناصرا لإمام زمانها السجاد (عليه السلام).. فهل إعلامك مناصرا لإمام زمانك المهدي (عجَل الله فرجه)؟
📍 علمتنا السيدة زينب (عليها السلام) أن نكون صامدين في نصرة الدين وأن نقول كلمة الحق مهما كانت الصعوبات.. بل أن نكون نقمة على من يفتري ويضلل
🔸 وفي جانب آخر قد يتغافل عنه البعض أو يمر أمام عينيه من دون التفات وتمعن - هو أن التمسك بالدين والإخلاص للسير على قول الحق أمر قاس وليس سهلا. نعم، قد يقول البعض أن جهادها ليس بالسيف والسلاح ولكن هذا لا يعني أن جهادها كان أمرا سهلا أو أقل أهمية - تذكر وتأمل كل المشقات التي مرَت بها السيدة زينب (عليها السلام)… من كربلاء ثم إلى الكوفة ثم إلى الشام.. وفي كل فرصة أتت، نصرت فيها الدين وقالت الحق. فهي لم تتعب ولم تضعف ولم تمل بل استمرت مهما كان التحدي - كانت نقمة على العدو كلما حاول أن يضلل السردية. فكانت السيرة للسيدة زينب (عليها السلام) عبارة عن تصدي الحق للباطل - فكان كل موقف وكل كلمة وخطبة القتها كان لمواجهة الباطل والفساد والمنكر - أن تنصر دين الله… فكان هناك تصادمًا وصراعًا بين الحق والباطل - بين أهل الإسلام والإيمان وبين أهل الكفر والضلال. قالت الحق طوال حياتها - فبهذا ما جعل السيدة زينب (عليها السلام) شخصية خالدة وقدوة للجميع - ليس فقط للنساء بل لكل من يريد أن يناصر الدين بصوته.
ابن أخيها، الإمام علي بن الحسين السجَاد (عليه السلام) يقول لها: "أنتِ بِحَمدِ اللّهِ عالِمَةٌ غَيرُ مُعَلَّمَةٍ، فَهِمَةٌ غَيرُ مُفهَّمَةٍ."
فمكانتها ليست فقط لكونها من أهل البيت (عليها السلام) بل لمواقفها الناتجة من علمها، أظهرت الحق.. أظهرت العلم في وجه الباطل والضلال - وحينما يكون هناك علم، فلا بُد من إظهاره حينما يكون هناك تضليل.
لا يجب أن ننظر إلى قضيتها بنظرة قصيرة ومحدودة ونقول: "هذه المشقات فقط حينما تُقال كلمة الحق في وجه الحكام الطغاة والسلطات الظالمة وفي وقت الحروب".. أي وكأن هذا الشيء موجود فقط فالجانب السياسي.. لا، فطبيعة هذا الطريق - طريق القول بالحق طريق صعب وبه مشقات - به مواجهات واحدة تلو الأخرى - وانظر إلى السيدة زينب (عليها السلام) وكم كان العدد ثُم انظر إلى عدد بني أمية - كم هو فارق؟ لأهل الضلال السلطة والمال ويغتر الناس بهم وبمظاهرهم وبما يملكون ومن حين الطرف الآخر لا، وهناك من يرى الحق وينكره خوفا على الأمور الدنيوية واغترارا بالماديات فيعادون الحق أيضا… فالأمر يتطلَب صبر وثبات وعزيمة وإخلاص - يتطلَب روح لا تنكسر ولا تمل - روح تعطي كل ما لديها لتحقيق الهدف… وهو نصرة لدين الله سبحانه وتعالى - الراحة فالدنيا لا شيء أمام الحفاظ على الدين والعقيدة.
اليوم، ألا نرى الطغاة والظالمين ما زالوا يستخدمون الأساليب نفسها؟ ماذا قام به فرعون وغيره من الطغاة عبر التاريخ؟ حينما يُرسل لهم الحق يأبون، ويعاندون، ويجحدون، ويشنون حملاتهم المضادة ويستخدمون سلطتهم خوفا وحفاظا على الحكم والمال والسلطة - والناس أيضا تفضل من له المال والسلطة خوفا من المشقات والخسائر المادية والأماكن الاجتماعية وإلى غيره. فهؤلاء اختاروا الدنيا. لكن هذا البُعد، لا يقتصر فالجانب السياسي فقط - ليس كل من يرفض كلمة الحق هو الحاكم الذي له سُلطة… بل هذه طبيعة كل فاسد مستكبر مهما كانت مكانته. فعلى من يختار هذا الطريق - طريق قول الحق، يجب أن يكون واعيا تماما لما يُقدم عليه. ليتوقَع المرارة والعداوة من أهل الدنيا والافتراءات والأكاذيب وكل قبح - فهكذا تعامل أهل الدنيا والضلال مع الأنبياء والرسل في دعوتهم لله - للحق... فالصبر وتذكر تعب الأنبياء والرسل جدا مهم!
قول الحق أثقل على قائله من سامعه، لأن الطرف الذي يسمعه بإمكانه أن يغض البصر ويصم الإذنين ولا يبالي ويستمر بعناد وينكر ويرفض ويبذل الجهد بالمراوغة والكذب - والقادر أيضا يشن حملات تغطي على الباطل والطغيان لتلميع الصورة والحفاظ على منصب وغيره - وبينما قائل الحق هو الذي يعاني إما الزجر بالسجون أو فقدان مهنة ومكانة ومال وصداقة وعلاقات وغيره.
🔸 من يريد أن يقول كلمة الحق في زمن يعم به الفساد وتُحلَل فيه البدع وتنقبل فيه الانحرافات العقائدية والأخلاقية سيواجه صعوبة ومشقة - التصادم يكون بين اتباع الدنيا واتباع الآخرة - لأن الحق والباطل لا يمتزجان فالوقت نفسه - كأهل الدنيا مع أهل الآخرة.
وُرد عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "إن قول الحق لم يدع لي صديقا".
قيل هذا الكلام حتى يعلم ويتذكَر الناس أن هناك ردَة فعل تجاه قول الحق من عامة الأفراد والناس فالمجتمع - فمنهم من يتواضع ويقبل ومنهم من يستكبر ويرفض. لأن هناك تعارض حينما يُقال الحق - أهل الدين والزهد يتقبلون بالحق حينما يُقال - حينما تكون هناك نصيحة وإرشاد - حينما تكون هناك نصرة للدين.. فللمؤمن وللمظلوم راحة حينما تنتشر كلمة الحق.. ولكن للفُسَاد والظلمة والمنحرفين كلمة الحق نقمة - تُعتبر تهديدا لهم للفساد الذي اعتادوا عليه وتهديدا لسلب ما ارتاحوا عليه من السلطات والمكانات الاجتماعية والماديات والمصالح الشخصية والمال - فسُرعان ما يشنون العداوة وينقلبون ويزدادون عنادا وجحودا رغم أن البعض قد يعلم بما أوتي لهم من الحق - ولكن يأبون كما أبى إبليس - تأخذهم عزة النفس والغرور - يمنعهم حب الدنيا والشهوات - فينكرون الحق مهما كان الدليل واضحا - ينكرون استكبارا.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر."
اليوم من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر يُقال عنه شخص مُعقََد، مُتشدد، مُتعصب، رجعي، مُتطرف، طائفي، يُثير الفتن… يُقال له: عليك بنفسك، عليك ببلدك، عليك بشأنك… كل هذه الردود ليست فقط تسقيطا لمن يقول الحق - بل هو عناد للحق نفسه - خصوصا حينما يكون الحق بالدليل والبرهان والقرآن والسنة… كل هذا حفاظا على المنفعات الدنيوية وأن يضلوا على فسادهم من دون مواجهة - فقائل الحق يتلقَى ردود قاسية.
كم منا يستطيع أن يُذكر الناس بأن الحجاب والعفة واجب، وكيف ستكون الردود؟ سيقولون عنه مُتسلط على النساء..
كم منا يستطيع أن يُذكر الناس بأن الاختلاط والعلاقات الغير شرعية مُحرَمة، وكيف ستكون الردود؟ سيقولون عنه مُتدخل في حياة الناس وحريتهم..
كم منا يستطيع أن يحافظ على القيم والمبادئ الإسلامية فالمجتمع، وكيف ستكون الردود؟ سيقولون عنه رجعي وغير مُثقَف..
كم منا يستطيع أن يدافع عن دينه وعقيدته ويحيي ذكر آل البيت (عليهم السلام) ويناصرهم ويذكر مظلوميتهم ويذكر فضائلهم ويرد الشبهات عنهم ويعترض على البدع، وكيف ستكون الردود؟ سيقولون عنه مُتعصب طائفي..
كم منا يستطيع أن يدافع عن دينه وعقيدته ويقول بأن هذا العمل وذاك العمل بدعة وهو مخالف لما جاء فالأحاديث والروايات الشريفة، وكيف ستكون الردود؟ سيقولون عنه تكفيري..
والبعض سيقول: "هل أنت أعلم من فلان وفلان؟"
لاحظ! فهم لا يقولون: "لا تقل الحق!" أو "لا نريد سماع الحق".. لا أحد يقول بهذا.. بل يردون على الحق عند سماعه بالمبررات والتسقيط لقائل الحق والصمت حينما يرون الحق بأعينهم خشية من ردود فعل الناس! بل والأشد من هذا هو شن العداوة ومحاربة الشخص بمعنى الكلمة!
قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام لمحمد بن حكيم: "كلّم الناس وبين لهم الحقّ الذي انت عليه، وبيّن لهم الضلالة التي هم عليها."
من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قدم الكوفة من البصرة:
"بعد حمد الله والثناء عليه اما بعد فالحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه واعزالصادق المحق واذل للكاذب المبطل عليكم يا اهل هذا المصر، بتقوى الله وطاعة من اطاع الله من اهل بيت نبيكم الذي هو اولى بطاعتكم من المنتحلين، المدعين القائلين الينا الينا يتفضلون بفضلنا ويجاحدوننا امرنا وينازعوننا حقنا ويدفعوننا عنه وقد ذاقوا وبال ما اجترحوا، فسوف يلقون غياً قد قعد عن نصرتي منكم رجال وانا عليهم عاتب زار، فاهجروهم واسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبونا ونرى منهم ما نحب."
وهذا ليس بفتنة بما يظنه البعض! حينما تعتاد الأمة على الباطل والفساد، يكون هو الأعم والأمة متَحدة على البعد من دين، فمن الطبيعي حينما يظهر الحق، يتبيَن وكأنه فتنة لتمزق الوحدة… وانظر إلى التاريخ بعينك، في خلافة الأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، قالوا عنه وخلافته مليئة بالمشاكل والفتن ولم يروا بخلافته الخير.. والسبب الحقيقي هو ليس الإمام، بل لأن الأمة اعتادت على الباطل فأصبح الباطل هو الأعم، أصبح الباطل هو الرأي العام فحينما أظهر الإمام علي (عليه السلام) الحق، انزعجت الأمة وخرجوا ضده بل وحتى كفَروه! وهذا أيضا ما حدث مع الإمام الحسين (عليه السلام) لثورته، فقد قالت الناصبة والسردية الأموية بأن الإمام تمرَد وسبَب فتنة ومزَق الأمة بينما كان بإمكانه أن يبايع يزيد! وانظر أيضا إلى ما قبل هذا! إلى تاريخ الأنبياء، فكانت الأمم أيضا متحدة ومتعاونة ولكن فالباطل والجميع كان محبوبا وكل الأمور جيدة، حينما يرسل الله نبيا، كيف تكون ردة الفعل من الأمة التي بُعث النبي فيها؟ سيقولون هذا يمزق الأمة والفكر الذي ورثناه من أجدادنا!
قال الله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ} - البقرة ٢١٣
{مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ} - آل عمران ١٧٩
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} - النمل ٤٥
صدق الله العلي العظيم… فبهذا المنظور، حينما يكون قول الحق "فتنة" و"طائفية" وممزقا للوحدة، فإذا الأنبياء جميعهم شقوا وحدة الأوطان والأمم التي بعثهم الله إليها… فهناك أمة، كافرة، تعبد الأوثان، تزني وترتكب الفواحش وتظلم وهذا الفكر هو الفكر العام بلا أي رادع، ثم يأتي الله بنبيا يدعو لله وعبادته ليصلح هذا القوم وليهتدوا، فمنهم من يؤمن ومنهم من يعاند والمعاند يحارب من يؤمن، ومن هنا تنشق الأمة وواحد يبغض الآخر، وتقوم بينهم وقد تصل إلى هذا يقتل هذا، وهذا يسجن هذا، وأخ يلعن أخيه، وأمه وأبيه، وصديق ينقلب على صديقه، وتأتي الدولة كفرعون مثلا ويشجع على الوحدة الوطنية الفرعونية رغم أنه هو ومن كان معه يعلمون بطغيانهم وكفرهم وفسادهم وعلمهم بالحق بعد إذ رأوه حفاظا على الحكم والسلطة وعلى ما اعتادوا عليه - من مكانة وسلطة ومال والقبول من الناس.
إذا كلمة الحق لا تفرق، فإذن هي ليست بحق! علي مع الحق والحق مع علي! وعلي هو قسيم الجنة والنار! فإذن الحق يُقسم ويُفرق!
فالتفرق على الحق خير من الاجتماع على الباطل! وهذا اختبار في ذاته أيضا على من يقول الحق - الله سبحانه وتعالى يختبر ويمحص من يسير على هذا النهج، هل سينكسر وسيستسلم لملذات الدنيا ويختار الراحة؟ أم سيكون مخلصا لله تعالى ويقتدي بالسيدة زينب (عليها السلام) ويتعلَم منها ويواصل رغم المرورة وعندما تنغلق عليه الدائرة؟ فهناك عوامل قد تجعل الشخص يتراجع عن موقفه إن لم يكن له إيمان وإخلاص بسبب ردود فعل الناس وشدَتهم وغلاظتهم ومن الكلمات الجارحة ومن خسارة صديق أو منصب أو شهرة أو أيا كان - قد يستسلم يوما ما حينما تُضيق عليه الدائرة ويخشى الوحدة الناتجة من التمسك بالدين ويبدأ بالتشكيك أو تغره الدنيا فتضعف روحه وعزيمته - فحينها يرى الباطل والفساد يعم المجتمع… لكنه يلتزم الصمت - خوفا من الافتراءات وحفاظا على المنفعات الدنيوية - كما فعل الأمويون ومن كان حولهم ومعهم - فهم رأوا الحق بأعينهم وسمعوا بأذانهم ولكنهم رفضوا وعاندوا واستكبروا… "فلعن الله أمة قتلتك ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به"… الأمة التي سمعت بذلك.. سمعت بالحق ورأته ورضت ولم تتبرأ ولم تستنكر ولم تهتم فخذلت الحق ورضيت بالباطل! تلك الأمة ملعونة!
🔸 على المؤمن العالم الذي يريد أن يقتدي بالسيدة زينب (عليها السلام) ويسير في نهجها فعليه أن يكون له موقفا برائيا واضحا حينما يرى الباطل والمنكر والظلم والفساد والانحراف نصرة لإمام زمانه - وأن يقف صامدا ثابتا مناصرا لدين الله - لا تغره الدنيا بملذاتها ولا يخشى سوى الله
الله تعالى يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان."
وفي حديث آخر: "لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت منهم البركات وسُلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء."
الآية الكريمة والحديثان النبويان الشريفان يعطيان لكل مؤمنا دورا في هذا المجتمع - أي من يرى المنكر فهو مسؤول أمام الله - والمسؤولية بقدر الاستطاعة - فليس هناك عذرا… ولو بالبراءة إن لم تكن هناك استطاعة… المؤمنون والمؤمنات لا بُد أن يكون لهم موقفا - الكل له دور فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس بشرط أن يكون الدور سياسيا… أحيانا أسريا... أحيانا اجتماعيا… أحيانا فكريا وعقائديا ودينيا!
فكما أن هناك اليوم دورا صوتيا وإعلاميا بالفعل - يتصدَى للطغاة وللاستكبار ويقولون هذا جزءا من الدين وأن الموقف الحيادي خيانة وعلى المؤمن أن يتَخذ موقفا - فلا بُد أن تكون هذه الجبهة أيضا مسؤولة في حفاظها على الدين والقيم والمبادئ وأن لا تكون محايدة حينما ترى الباطل، فعليها أن تتَخذ موقفا - كما يتعاون البعض للقضايا السياسية في تصديهم للطغاة والاستكبار ويقولون هذا جزءا من الدين وأن الموقف الحيادي خيانة وعلى المؤمن أن يتَخذ موقف - فلا بُد أن أيضا يتعاونون فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا تكون محايدة حينما ترى الباطل وتتَخذ موقف. فالمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. المؤمن مسؤول أمام الله - المؤمنة مسؤولة أمام الله.
اختلف بعض المؤرخون - قيل السيدة زينب (عليها السلام) أنها توفيت من شدة الآلام التي مرَت بها - ولكن هناك روايات وجوانب ترجح بأنها استشهدت… ماتت مسمومة - خصوصا أنها توفيت بعد عام واحد فقط بعد كربلاء - وأعداء آل بيت النبي معروفون بشدة عداوتهم وحقدهم لهم وكيف يتعاملون مع من يقف مع الحق ضدهم - فهي طبيعة كل طاغ أن لا يبقى شاهدا على جريمته وخصوصا حينما يكون لذلك الشاهد تأثيرا قويا - والسيدة زينب (عليها السلام) أفشلت السردية الأموية وواجهت بني أمية في كل فرصة أُتيحت لها - في كربلاء والكوفة والشام.. في قصر يزيد (لعنة الله عليه) نفسه. وشهادتها أرجح - كونها شاهدة على معركة الطف وماذا جرى في كربلاء ولتأثيرها من حيث إبقاء الثورة الحسينية حية فالأمة من خطاباتها البليغة الأديبة - فليس من البعيد والعجيب أنها استشهدت مسمومة لتلك الأسباب التي ذُكرت وطبيعة بني أمية وجرائمهم بحق آل بيت النبي (عليهم السلام).
إنا لله وإنا إليه راجعون…. عظَم الله أجرك يا مولاي يا صاحب الأمر والزمان.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا صالح أعمالنا ويجعلنا من أنصار القائم.. رحم الله من قرأ الفاتحة لأرواح الشهداء والمؤمنين والمؤمنات، والدعاء لجميع المرضى والجرحى والمستعصيين وإفراج غم المهمومين. ولا تنسونا من خالص دعائكم لعلَكم أقرب إلى الله منزلة، مع الصلوات على محمد وآل محمد.
الاثنين، ١٥ رجب ١٤٤٧ هـ - ٥ يناير ٢٠٢٦ م
العزة لله
— رايدرو (عباس)، قائد نيو وورلد اوردر ٣١٣

